562
إبريل- مايو 2012

القيادة المثالية والمصالح العامة

إبراهيم نويري

لعل من نافلة القول التذكير بأن مصطلح القيادة من المصطلحات التي لا تحوز على إجماع أو اتفاق تام في التعريف والتحديد والضبط المفهومي والدلالي، في كتابات المنظرين الاستراتيجيين أو السياسيين أو مفكري التنمية البشرية.. أو غيرهم من الكتاب والباحثين. ومن أسباب ذلك تداخل مفهوم القيادة مع مفاهيم أخرى قريبة أو مجاورة، بل هي من مكونات الشخصية القيادية، مثل الكفاءة في التسيير، والسيطرة أو التحكّم الجيد في العمل الموكل لقائد بعينه.. إضافة إلى تباين الأطر والمجالات والظروف التي تظهر فيها الشخصيات القيادية المؤثرة، وأنواع القادة والصفات التي تؤهلهم لهذا اللقب أو الموقع.. إلخ .

 www.abod-1.com 30_opt.jpegمن أهم تعريفات هذا المصطلح:

> القيادة هي مجموعة المبادئ والقواعد والأصول والنظريات والإجراءات والتصرفات والتوجيهات التي تصدر عن القائد أو المدير العام لمؤسسة من المؤسسات، أو تنظيم من التنظيمات، أو هيئة من الهيئات.

> القيادة هي فن اختيار مجموعة من الناس بهدف تحريكهم أو توجيههم أو صياغتهم، قصد تحقيق هدف محدد، أو جملة من الأهداف.

> القيادة هي فن التأثير في الآخرين، من أجل نشر فكرة أو أفكار معيّنة.

> القيادة عبارة عن علاقة أو عملية متشعبة مؤسسة على التفاعل بين القائد والأشخاص المحيطين به، المتعاونين معه.

ومن خلال هذه النماذج ندرك أن الكلمات «المفتاحية» لمفهوم القيادة تتمثل في: التأثير- التنظيم- التأهيل- التخطيط- البرنامج أو الهدف- تحقيق المنجزات المعلنة أو المسطرة.. إلخ.

صفات الشخصية القيادية

لاشك أن الشخصية القائدة أو القيادية، تتمتع أو تتوفر على سمات تأهيلية نادرًا ما نجدها لدى غيرها، أو ربما جاز القول بأن الشخصية القيادية شخصية تجمّعت أو تجاورت فيها صفات ومكوّنات ومهارات غالبًا ما نلاحظ أنها تكون موزّعة- أي غير متجاورة- في الشخصيات غير القيادية.

ومن أهمّ الصفات التي ينبغي توفرها في الشخصية القيادية:

1- الاعتماد على الله والثقة بتوفيقه وسداده ونصره.

2 - شحذ الهمّة والإصرار على ضرورة تحقيق الأهداف المرسومة.

3 - تنمية عوامل القوة في النفوس، والقدرة على تحويل عوامل الضعف إلى قوة.

4 - الاستعداد لتقبّل أفضل ما لدى الآخرين.

5 - التحكم الصارم في الوقت وحسن استثماره.

6 - الاهتمام بالنتائج، والتركيز على المنجزات الملموسة في الواقع، أو تلك القابلة للتجسّد.

7 - حسن تحديد الأولويات، دفعًا لتشتت الجهد المبذول.

8 - الاعتماد على المشاورة والحوار وتبادل الآراء، خاصة مع ذوي الخبرة والعلم والاطلاع الواسع، والعمق في التفكير.

9- القدرة على تجاوز السلبيات حال ظهورها.

10- التواضع في الأفعال والتصرفات، وتوفير الأجواء والأساليب التنظيمية المناسبة التي تضفي المزيد من الفعالية على الأدوار المنوطة بكلّ شخص داخل الجماعة أو المؤسسة.

الرسول  "صلى الله عليه وسلم"  أنموذج للقيادة المثالية

مما لا ريب فيه- في مقياس ومعيار التصور الإسلامي- أن رسول الله  "صلى الله عليه وسلم" ، هو الأنموذج الفذ الكامل، الذي لا يتقدم عليه أي أنموذج آخر في كلّ مجالات وأنشطة الحياة، وقد كان- وهو يمارس القيادة الأنموذج والمثال- يعمل بالشورى، ويحاور أصحابه الكرام، ويستمع إلى نصحهم ووجهات نظرهم.

وإذا نحن أردنا أن نأتي بأمثلة، تُجلّي مبدأ الشورى في واقع القيادة النبوية، فإن السيرة العطرة مترعة بتلك الأمثلة البديعة المدهشة.

وبما أن الحياة متشعبة المناشط، فإننا سنكتفي بمجال قتال أعداء الإسلام الذين استكثروا عليه الحياة والامتداد الطبيعي، أثناء تلك الفترة المبكرة من ظهوره في شبه الجزيرة العربية. ومن أبرز المصطلحات المستعملة في هذا اللون من النشاط نجد: الغزوة، وتتضمن كلّ المعارك التي قادها النبي  "صلى الله عليه وسلم"  وأشرف عليها بنفسه. والسرية، وهي عبارة عن مجموعة من الفرسان الأشاوس يقودها أحد أصحاب رسول الله  "صلى الله عليه وسلم" ، حين يعزو له الأمر النبوي تنفيذ هذا العمل. وهناك أيضا الدورية، وهي مجموعة أقل من السرية، مهمتها جمع المعلومات الضرورية عن العدو، ورصد تحركاته، ودراسة طبيعة الأرض المؤهلة لقيام المعركة أو الغزوة.. وهي قسمان: دورية الاستطلاع، عددها محدود جدا، ودورها- كما أشرنا- يتمحور حول جمع المعلومات وتقديمها للقائد. ودورية القتال، وعددها أكبر، وبما أنها تتوقع المباغتة من العدو فإنها تكون على أهبة للقتال عند الضرورة، ولهذا السبب تحديدًا فإن جاهزيتها، من حيث السلاح والاستعداد لمنازلة العدو، تفوق بكثير دورية الاستطلاع.

وفي هذا المجال الذي تمّ تحديده نجد أن مفهوم القيادة في المنظور النبوي أو المنظور الإسلامي الحق لا يقوم على المفهوم الكاريزمي/الفردي.. بل هو مفهوم جماعي مؤطر ومؤسس على قاعدة الشورى والجماعة.

فالمتأمل في أحداث وفصول السيرة النبوية الشريفة يلحظ بيسر مدى بسط قيمة الشورى وتماشيها مع موقع القيادة، فقد كان نبي الهدى  "صلى الله عليه وسلم"  وهو في موضع القيادة، وقبل ذلك والأهم من ذلك في مقام النبوة أنه يفسح المجال لأصحابه لإبداء آرائهم وبسط وجهات نظرهم، ما دامت المسائل المطروحة ذات طبيعة مفتوحة للاجتهاد، أي لم يحسمها الوحي بنص قطعي الدلالة. ففي غزوة بدر الكبرى رأينا كيف أن رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  يستشير أصحابه في الخروج أو عدم الخروج، ونرى الصحابي الحباب بن المنذر يغيّر الوضع القتالي في هذه الغزوة (بدر) بعد أن علم أن الرسول الكريم لم يُنزلهم المكان الذي نزلوا به بادئ الأمر بنص من الوحي. ونرى الصحابي الجليل سعد بن معاذ يمزّق ورقة المعاهدة التي عقدها النبي  "صلى الله عليه وسلم"  مع أهل الطائف في غزوة الأحزاب، بعد مفاوضات طويلة وشاقة بين الرسول وبينهم.. وذلك لأن الحصار اشتد على المسلمين، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فرأى  "صلى الله عليه وسلم"  أن يبادر إلى شيء يخفف به متاعبهم ويفرّق جمع الأعداء، فدخل في مفاوضات مع أهل الطائف، واتفقوا على أن يرجع الطائفيون ولهم ثلث ثمار المدينة، فسأل سعد رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  عن ذلك، وهل للوحي دخل أو توجيه فيه؟ فقال  "صلى الله عليه وسلم" : «إنما هو أمر صنعته لكم رجوتُ من ورائه الخير»، فأخذ سعد المعاهدة ومزّقها- وقد كانت معدّة للتوقيع- قائلا: إنهم لم ينالوا منا ثمرةً إلا قرى، أفبعد أن أعزّنا الله بك يأخذون ثلث ثمار المدينة عنوة؟ لا والله لا يكون!!(1).

وتشير كتب السيرة إلى أن رسول الهدى  "صلى الله عليه وسلم"  لم يغضب من تصرف سعد  "رضي الله عنه" ، وأن المسلمين اغتبطوا وسروا كثيرًا بهذا الموقف، على الرغم من أنه في ظاهره اعتراض على القيادة.

إنها قيادة من نوع خاص، تجعل الشورى ركنًا ركينًا في كلّ ما تزاوله من أعمال أو ما تخطط له من مشروعات وبرامج، ومعنى ذلك أن القيادة في المنظور والتصور الإسلامي قائمة على ركيزة الشورى «التي يُسمح بموجبها لكلّ فرد في الجماعة أو المجتمع بأن يُسهم بالرأي والمشورة التي يمكن أن تخدم الصالح العام. كما أن التعاون والعمل بروح الفريق الواحد هما السبيل الناجع لبقاء الجماعة وتماسكها وتحقيق ما تصبو إليه من سعادة ورفاهية»(2).

فوائد القيادة الجماعية

مما تقدّم نستنتج أن الإسلام يرحب ببروز المواهب والمهارات القيادية في الأفراد، باعتبار أن الأمة المسلمة هي المستفيد من تلك النماذج الإنسانية القيادية الصالحة، بيد أنه- عند الموازنة- يفضّل القيادة الجماعية، سواء في المجال السياسي أو العسكري أو الإداري، بل حتى بالنسبة للاجتهاد الشرعي- خاصة في النوازل والمسائل الطارئة- فإنه يقدّم الاجتهاد الجماعي على الاجتهاد الفردي.

إن هذا التفضيل نابع من قيمة الشورى وبركتها وخيريتها، باعتبارها إطارًا تنظيميًّا ضامنًا لسلامة التصرّف، والإحاطة المستبصرة بكلّ أبعاد وتداعيات القرارات والمواقف والإيعازات والإسنادات ونحوها.

وقد أكّد القرآن الكريم ذلك في قول الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (الشورى: 38). كما أكّده بصيغة الأمر الدال على التحتيم والوجوب في قوله جلّ شأنه: {وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159).

ومن أبرز إيجابيات القيادة الجماعية:

1- أنها أسلم وأقرب إلى إدراك المصالح العامة والخاصة على السواء.

2- القرارات فيها لا تكون متسرعة، مثلما هو شأن القيادة الفردية.

3- استعراض كافة الآراء وتمحيصها، مما يسلب المعترضين حجّتهم، وبذلك تكون النفوس أقرب إلى الرضا والقبول.

4- شعور الفرد بقيمته داخل الجماعة أو المجتمع، الأمر الذي يجعله أكثر عطاءً وأكثر فاعلية فيما يُنسب له من أدوار وأعمال.

الهوامش

1- محمود شلتوت، من توجيهات الإسلام، دار الشروق، بيروت، ط7، 1980م، ص562.

2- أحمد العجارمة، التحديات التي يواجهها مفهوم القيادة في القرن الحادي والعشرين، مجلة القافلة، العدد 2، المجلد 50، صفر 1422هـ / أبريل ـ مايو 2001م، ص 8.

أكاديمي جزائري

      © 2012 . .