560
فبراير- مارس 2011

 
جماليات المكان في القرآن الكريم

محمد أحمد عبدالجواد

إن المكان بوصفه حقيقة كونية يدركها الإنسان خلال حياته اليومية لم يقف عند كونه مدركًا بصريًّا ساكنًا، بل شغل المفكرين والفلاسفة، وعلى الرغم من غلبة صفة السكون والاستاتيكية على المكان عند هؤلاء في قديم الزمان؛ إلا أن الفن عمومًا والسردي منه بخاصة منح المكان فعالية واضحة، وخاصة في عصرنا الحاضر..

فرحلة المكان في درب الفن السردي متطورة نامية منذ القديم؛ حيث إن المكان في النص القديم ليس موصوفًا ولا مطروحًا على الوعي، وهو محايد حسيًّا، مراد لغيره، وقد بدأ يحتل مساحة فنية، بوأته البطولة المطلقة في بعض الأعمال الفنية، وكان من أهم سماته أنه مطروح على الوعي، فدلالته دلالة حدث، مراد لذاته، مرشح للمعالجة الحسية بصريًّا أو سمعيًّا، وهذا الدور المتنامي جعل النقاد يعتبرونه قديمًا مجرد خلفية للحوادث والشخصيات(1). 2abd17cf44e57835e92d99_opt.jpeg

ولكن، هل هناك علاقة متبادلة بين جماليات المكان في العمل الأدبي السردي وبين جماليات المكان في القرآن؟ وهل المكان كتقنية في العمل الأدبي هو هو المكان الذي عني القرآن بوصفه كمحددات مكانية وجغرافية أو فضائية، أم أن حدود المكان في القرآن تختلف عن الرواية في أنها وصفت بصورة أشمل وأوسع لكي تصل إلى أغوار الأرض وأجواز السماء، وإلى ما وراء الطبيعة؟

وبعد النظر في القرآن الكريم وتدبر آياته لقيت من أمري عجبًا، فالقرآن يحوي كثيرًا من الآيات التي تتحدث عن الأماكن، سواء ما ينطبق عليه مصطلح الحيز الجغرافي في العمل السردي الذي يعني إعطاء المكان حدودًا جغرافية بعينها، فلا ينطلق الكاتب خارج هذا الحيز، بل يتقيد بعاداته وتقاليده وظلاله التي يرسمها له منذ البداية، وعلى غراره وجدت في القرآن، ولا أدل على ذلك من تسمية بعض سور القرآن بأسماء أمكنة تاريخية بعينها، مثل: الكهف، الطور، الأحقاف، الحجر، الحجرات، سبأ.

أو ما ينطبق عليه مسمى الحيز المفتوح، الغير محصور بحدود، والذي يتم عرضه من خلال اللغة ومفرداتها كالحديث عن السماء والأرض والجبال والجنة.

إذن فجماليات المكان في القرآن ربما تتفق في كثير من الأحيان مع جماليات المكان في النصوص الأدبية في تقنياتها وما فيها من تراكيب وحرص على إبراز الصورة البارعة والتعبير الأدبي، بل يمكن القول إن جماليات المكان في القرآن الكريم أقدر على السبق والمنافسة في الدراسات الأدبية؛ لا باعتبار القرآن كلام الله فحسب، بل بجانب المشاركة في تقنيات العمل السردي الأدبي اعتبار الإعجاز البياني أبرز صفات وسمات جمالية المكان في القرآن؛ فمنهج القرآن في عرض آيات المكان يأتي متمايزا من ناحية البناء البياني الذي يعد المدخل الرئيس للتذوق الجمالي والإحساس بالجمال الذي يعمل على استجاشة بواعث الاستمتاع بالمظاهر الكونية التي تصورها آيات الجمال.

ومصطلح الجمالية يعني تقديم أو دراسة أوجه الجمال في الشيء، وهو مصدر صناعي من «جَمُل».

أما في القرآن فالجمالية هي علم الجمال القرآني وفنيته التي تعنى بالكشف عن ألوانه وأسراره وأساليبه من خلال الموضوعات القرآنية المتعددة، والتي تشمل المفردة المنتقاة الصافية والتركيب الجزل والصورة البارعة والحكمة البليغة والمثل الثائر والقصة الواعظة والحوار الفني والتشريع السامي والتصور الكامل والتهذيب المربي.

وأبرز ما يميز الجمالية في القرآن عناصر الأداء التعبيري المناسب والذي يشمل التعبير الفني بألوانه وأنواعه وفق الدواعي النفسية والاجتماعية والإعجازية وما يحويه من إيجاز وتصوير بالكلمة المعبرة والتركيب الموحي والآية أو الآيات المصورة في مشاهد حية ولوحات شاخصة وأحوال نفسية وذهنية(2).

وعلى هذا المنهج سار القرآن في عرض آيات المكان، فجاء متمايزًا من ناحية:

1- البناء البياني الذي يعد مدخلا رئيسيا للتذوق الجمالي والإحساس بالجمال.

2- من ناحية التركيب الفكري الذي يقصد به فيما يقصد إحياء العقل بتربية التفكير الحر، وبهذا يكتسب العقل ملكة التمييز النقدي أو التذوق النقدي.

3- ومن ناحية الجانب الوجداني، حيث يعمل كل من المدخل البياني والتركيب الفكري على استجاشة بواعث الحب للجمال والاستمتاع الجمالي بالمظاهر الكونية التي صورتها آيات الكتاب الكريم(3).

وقد يتساءل البعض: هل المكان في القرآن له خصوصية بحيث يعد هدفا بعينه عمل القرآن على إيضاحه وإبرازه كلما استلزم السياق ذلك؟

وللإجابة على هذا السؤال نقول:

أولا: إن المكان في القرآن الكريم لم يمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر السرد القرآني؛ وذلك لأن القرآن لا يهدف إلى تقديم عمل فني، بقدر ما يهدف إلى بيان العقائد والشرائع وسوق العبر والتذكرة...

ثانيًا: ينبني على ذلك أن المكان أو أحد تفاصيله عندما يأتي ذكره في القرآن يفسح المجال أمام الخيال لكي يكمل بقية التفاصيل والعناصر المتعلقة بالمكان..

ثالثًا: ومع ذلك فإن المكان في القرآن الكريم قد أتى على هذا النحو إلا أنه لم يغفله تماما، بل هناك إشارات تحفز المتأمل وتدفعه دفعًا نحو الالتفات إليها وتدبرها، فهناك أماكن بعينها أقسم الله سبحانه وتعالى بها، مثل قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد، وأنت حل بهذا البلد}.

قال أبوحيان في البحر: «أقسم بها لما جمعت من الشرفين؛ شرفها بإضافتها إلى الله تعالى، وشرفها بحضور رسول الله  "صلى الله عليه وسلم"  فيها وإقامته بها، فصارت أهلا لأن يقسم بها»(4).

وهناك سور حملت أسماء أماكن مدن (الحجر، سبأ) وجبال (الطور) وأماكن خاصة (كالحجرات).

رابعًا: وأيضًا فإن القرآن الكريم لم يقف عند هذا الحد فإنه في كثير من المواضع ذكر المكان بمفهومه العام (المطلق)، فذكر سموات وأراضين وجنان وحدائق ذات بهجة، وألحق هذه الأماكن بأوصاف تلفت عين انتباه القارئ إلى عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى في خلق هذه الأماكن وتحويلها من حالة إلى حالة، فاقرأ إن شئت قول الله تعالى: {أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم ان تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} (النمل: 60).

وانظر إلى قول الله تعالى: {الم تر ان الله انزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود} (فاطر: 27).

ففي الآية الأولى نجد أن التعبير القرآني (حدائق ذات بهجة) قد رسم لوحة فنية أدبية يعجز أي أديب أو فنان أن يصورها أو يرسمها.

وإذا عرفنا ما معنى كلمة بهجة في كتب المعاجم عرفنا سر الجمال في هذه الكلمة التي وصف بها القرآن هذه الحدائق التي تنبت على أثر نزول الماء من السماء.

فقد جاء في لسان العرب: البهجة: الحسن، يقال: رجل ذو بهجة، والبهجة: حسن لون الشيء ونضارته، وقيل: هو في النبات النضارة، وفي الإنسان: ضحك أسارير الوجه أو ظهور الفرح(5).

واللفتة القرآنية الجمالية بلاشك لفتة حضارية ذات مضمون جمالي تنبه الوجدان إلى اهتمام القرآن بها في أزمنة متقادمة وبلد قاحل غير ذي زرع.

وهي بالتعبير القرآني ذات (بهجة)، أي أنها: نضرة بهيجة فرحة حية، تبهج العين برؤيتها والأذن بتغريد طيرها، والأنف بعبير أزهارها، واليد بلمس ثمارها، فيها من الألوان والأحجام والأنواع ما لا تبدعها لوحة واحدة جميلة تحس بها الوجدان والمشاعر، هي أقرب أن تكون طبيعية تروى بماء الأمطار.. (6).

وفي الآية الثانية لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب تطوف بنا في الأرض جميعها، تتبع فيها الألوان والأصباغ في كل عوالمها؛ في الثمرات وفي الجبال وفي الناس وفي الدواب والأنعام، لفتة ربانية تجمع في كلمات قلائل بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعا، تدع القلب مأخوذا بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع الذي يشمل الأرض ومفرداتها جميعًا.

وتبدأ اللفتة بإنزال المطر من السماء وإخراج الثمرات المختلفة الألوان في الأرض؛ لأن المعرض في ظاهره معرض أصباغ وشيات؛ فإنه لا يذكر هنا من الثمار إلا ألوانها؛ فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسامين في جميع الأجيال(7).

ثم ينتقل نقلة سريعة من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال فيقول: {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود}، والنقلة من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها لكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحيانا ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك(8).

و«من»، أي ومما خلقنا من الجبال جدد، ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان، والجدد جمع جدة –بالضم: الطريقة والعلامة، ولما كانت الطرق في أنفسها غير متساوية في المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به قال سبحانه دالا على أن كلا من هذين اللونين لما يبلغا الغاية في الخلوص: (مختلف ألوانها)، وهي من الأرض، وهي واحدة(9).

ولما قدم ما كان مستغربا في ألوان الأرض وهو الأبيض والأحمر أتبعه بما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل ألوانها وهو الأسود، وأكده بغرابيب للمبالغة في سواده قال: (وغرابيب) أي من الجبال الجدد أيضا سود، فقدم التأكيد لدلالة السياق، على أن أصل العبارة (وسود غرابيب سود) فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع ودل عليه بالثاني ليكون مبالغا في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار؛ لأن السواد الخالص في الأرض مستغرب.

ولم يقتصر اختلاف الألوان على الثمار والجبال، بل تعداه إلى الناس والدواب والأنعام، قال تعالى: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك}؛ لما يربط بين هذه الكائنات من عرى وثيقة، ويبدو الارتباط واضحا بين إنزال الماء من السماء وبين الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات؛ ذلك لأن حياة جميع الكائنات مرتبطة بالماء ارتباط الروح بالجسد؛ إذ لا حياة لأي كائن إلا بالماء، ولكن الارتباط والعلاقة بين الماء والجبال من جهة وبين الجبال والثمرات والإنسان من جهة أخرى يكتنفه شيء من الغموض(10).

وذكر الجبال في الآية دون ذكر الأرض كما قال في موضع آخر {وفي الأرض قطع متجاورات} مع أن هذا الدليل مثل ذلك؛ لأن الله سبحانه لما ذكر في الأول {فأخرجنا به ثمرات} كان نفس إخراج الثمار دليل القدرة والإرادة؛ لأن كون الجبال في بعض نواحي الأرض دون بعضها، والاختلاف الذي في هيئة الجبال كون بعضها أعلى من بعض دليل القدرة والاختيار، ثم زاده بيانا وقال: {جدد بيض} أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل، واختلاف ألوانها كذلك دلائل، والظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون، أي بيض مختلف ألوانها، وحمر مختلف ألوانها؛ لأن الأبيض قد يكون شديد البياض، وقد يكون دون ذلك، وكذلك الأحمر، ولو كان المراد بالأبيض والأحمر اختلاف الألوان لكان ذلك مجرد تأكيد، ولذلك لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود، وإنما ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب لأن الأسود لما ذكر مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغًا في السواد، فلا يكون فيه اختلاف(11).

باحث إسلامي

 

الهوامش

(1) انظر: استراتيجية المكان في السرد العربي، د/مصطفى الضبع، كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر، 1998م، عدد(79)، ص68.

(2) انظر: الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم، نذير حمدان، دار المنارة، جدة السعودية، الطبعة الأولى، 1412هـ= 1991م، 431، 432، بتصرف.

(3) الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم، نذير حمدان، ص: 437-440، بتصرف.

(4) تفسير البحر المحيط، أبوحيان الأندلسي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد العوضي، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1422هـ، 2001م، الطبعة الأولى، 8/ 470.

(5) لسان العرب، ابن منظور، 2/216، مادة (بهج).

(6) انظر: الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم، نذير حمدان، ص 348، 349.

(7) في ظلال القرآن، الشيخ سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، 5/2942.

(8) السابق.

(9) نظم الدرر، برهان الدين أبوالحسن البقاعي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ= 1995م، 16/45.

(10) الكون والإعجاز العلمي في القرآن، منصور حسب النبي، دار الفكر العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2006، ص179.

(11) التفسير الكبير، الفخر الرازي، 26/ 20، 21.

      © 2012 . .