560
فبراير- مارس 2011

 
القرآن الكريم والمشترك اللفظي

د .أحمد عزوز

المشترك اللفظي يطلق على تسمية الأشياء الكثيرة بالاسم الواحد  quran_by_libyan_sos_opt.jpeg ، أو بتعبير الإمام السيوطي هو: اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة . مثلاً كلمة «الخال» تطلق علـى أخ الأم وعلى الشامة. وكلمة «النوى» على البعد وعلى جمع النواة. وكلمة «العين» على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى رئيس أو وجيه القوم، وعلى الجاسوس، وعلى النقد والذهب، وعلى الشيء نفسه، وعلى معان أخرى غيرها.

ويقع المشترك اللفظي في الأسماء كلفظة «النكاح» تطلق على العقد كقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} (الأحزاب: 49). وتطلق على الوطء كقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غـيره} (البقرة: 230). وفي الفعل كلفظ «عسعس» في قوله تعالى: {والليـل إذا عسعس} (التكوير: 17) تطلق على الإقبال والإدبار. وفي الحروف، كحرف «من»، فإنه قد يأتي للابتـداء كما فــي قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (الإسراء: 1)، وقد يأتي للتبعيض نحو قوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالـله وباليوم الآخر } (البقرة: 8)، وقد يأتي لبيان الجنس كمـا فــي قولـه تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} (الحج: 30).

وقد اختلف أهل اللغة في أمره، فمنهم من قال بوقوعه في اللغة كالأصمعي والخليل بن أحمد وسيبويه وابن فارس وابن قتيبة وأبي عبيدة وغيرهم، وأفردوا مؤلفات خاصة سردوا له فيها أمثلة كثيــــــرة، وهو عندهم سمة إيجابية ودليل على ثراء اللغة وطواعيتها ومرونتها واتساعها في التعبيــر. ومنهم من أنكر وجوده ووقوعه، لأنه عندهم طريق للإيهام والتعمية والغموض، ولذلك عملوا على تأويل أمثلته تأويلا يخرجها من هذا الباب، كأن يجعلوا إطلاق اللفظ في أحد معانيه حقيقة وفي المعاني الأخـرى مجازا، وفي مقدمة هؤلاء المنكرين -وهم قلة-ـ ابن درستويه. وفي هذا السياق قال السيوطي: «واختلف الناس فيه فالأكثرون على أنه ممكن الوقوع ...».

ومن خلال دراسة ظاهرة المشترك اللفظي، تمكن العلماء من تحديد الأسباب التي تؤدي إلى نشأة المشترك اللفظي في اللغة العربية، وقد كان من أهم الأسباب التي ذكروها:

- تداخل اللغات واختلاف القبائل العربية، فقـد يوضع اللفظ في قبيلة لمعنى، ويوضع لمعنى آخر في قبيلة أخرى، وعندما جمعت اللغة، أغفلت الإشارة إلى أن ذلك اللفظ بمعان متعددة عند كل قبيلة، وإن كان بعض المتقدمين قد تنبه إلى هذا الأمر، ومنهم أبوزيد الأنصاري حين قال: «الألفت في كلام قيس: الأحمق، والألفت في كلام تميم: الأعسر»، وقال الأصمعي: «السليط عند عامة العرب: الزيت، وعند أهل اليمن: دهن السمسم».

- ويـرى آخرون أن المجاز والاستعـارة سبب من أسباب نشوء المشترك، وليس هذا في العربية فقط، بل يشبه العربية في هذا الشأن كثير من اللغات الحية، لأن من الاستعارةـ كما يرى أولمان ـ إلحاق مدلول جديد بمدلول قديم، عن طريق العلاقة المباشرة بين المدلولين، وخاصة المشابهة، فكلمة «سيارة» في اللغة العربية ـ على سبيل المثال ـ تعني في الأصل القافلة، ثم استعيرت واستعملت بمعنى العربة الآلية التي تستخدم في نقل الناس والبضائع، وقد شاع استعمال الكلمة بهذا المعنى في عصرنا الحاضر حتى أصبح بمنزلة المعنى الأصلي لها، وهكذا كلمة «مبلغ» التي تعني في الأصل منتهى الشيء أو غايته، ثم استعملت بمعنى مقدار من المال. وقد غلب استعمال هذا المعنى لها في العصر الحاضر كما نرى حتى صار بمنزلة الأصل.

- اقتراض الألفاظ من اللغات الأخرى، فقد تكون اللفظة المقترضة تشبه في لفظها كلمة عربية، كلفظة «الحب» بمعنى الوداد وهو حب الشـيء، وكذلك «الحب» الجرة التي يوضع فيها الماء. وهذا المعنى مستعار من الفارسية.

-التطور اللغوي جعل أحيانا لفظا يتفق مع لفظ آخر في النطق ولكنهما يختلفان في المعنى، وفي هذا السياق يقول الدكتور إبراهيم أنيس: «فكما تتطور أصوات الكلمات وتتغير، فقد تتطور معانيها وتتغير، مع احتفاظها بأصواتها. وتطور المعاني وتغيرها مع الاحتفاظ بالأصوات، هو الذي ينتج لنا كلمات اشتركت في الصورة واختلفت في المعنى.

ولنشوء المشترك اللفظي أسباب وتبريرات أخرى كثيرة ذكرها اللغويون العرب وغيرهم، يمكن الرجوع إليها في مظانها، وتفاديًا للإطالة والتكرار تجنبنا تعدادها والحديث عنها. كما أنه لا يعنينا في هذا المجال ذكر أسباب نشوء المشترك اللفظي بقدر ما يعنينا وجـوده، وتهمنا وفرته وفاعليته في واقعنا اللغوي، ثم استغلاله كوسيلة من وسائل ثراء المعنى في القرآن الكريم.

وبالإضافة إلى هذه الأسباب، فإن الاشتراك اللفظي ضرورة لا تستغني عنها أي لغة من لغات العالم، لأن ألفاظ اللغة مهما كثرت تبقى محدودة من حيث الكـم، فـي حيـن أن الأفكار والمعاني والأفعال والحركات والأعراض.. متجددة متطورة متنامية لا حدود لاتساعها.

إذن فالألفاظ والكلمات متناهية، والأفعال والحركات والأحـوال والأعراض والهيئات التي يعبر عنها باللغة غير متناهية ولا تعد ولا تحصى، وما يتناهى لا يمكـن أن يستوعـب ما لا يتناهــى، وبذلـك فـلا غنـى للإنسـان فـي تواصلـه ونشاطه اللغوي بمختلف أشكاله عن المشترك اللفظي، لأنه يتعذر وجود كلمة مستقلة خاصة بكل شيء يتداوله الناس.

وهذه حقيقة كشف عنها قديما الراغـب الأصفهانـي عنـدما قـال: «الأصل في الألفاظ أن تكون مختلفة بحسب اختلاف المعاني، لكن ذلك لم يكن في الإمكان، إذ كانت المعاني بلا نهاية، والألفاظ مع اختلاف تركيبها ذات نهاية، وغير المتناهي لا يحويه المتناهي، فلم يكن بـد من وقوع الاشتراك فــي الألفــاظ»، ولقد عبر عن هذه الحقيقة التي كشف عنها الراغب الأصفهاني أحد الدارسين المحدثين عندما رد قدرة الكلمة الواحدة إلى التعبير عن مدلولات متعددة إلى أن ذلك «خاصية من الخواص الأساسية للكلام الإنساني»، لأن اللغة «في استطاعتها أن تعبر عن الفكر المتعددة بواسطة تلك الطريقة الحصيفة القادرة التي تتمثل في تطويع الكلمات وتأهيلها للقيام بعدد من الوظائف المختلفة».

لكن إذا قال قائل: إن لغة من اللغات غنية عن الاشتراك، فيلزم من قوله هذا أن يكون لكل معنى من المعاني غير المتناهية كلمة دالة عليه، وحينئذ يلزم أن تكون الكلمات والألفاظ غير متناهية، وهذا أمر صعب ومستحيل ولا يمكن لأحد أن ينكره. ثم إن لغة من اللغات بتلك الألفاظ والكلمات التي تتسع لجميع أمور الحياة إنما تكون ـ كما قال أحد الباحثين ـ لقوم انتشروا في جميع أرجاء العالم و زاولوا جميع الأعمال والأحداث وأنى ذلك القوم؟

وعلى هذا الأساس لابد من الاشتراك ولا غنى عنه لمستعملي اللغة، ولا ينكر ذلك إلا معانـــــــــد أو مكابر، واللغة العربية كغيرها من اللغات لا غنى لها عن الاشتراك اللفظي الذي شغل فيها حيزا كبيرا.

والقرآن الكريم باعتباره كتاب الله عز وجل المنزل باللغة العربية، وعلى عادة العرب وطرائقهم في التعبير.. قد ورد فيه طائفة من الألفاظ المشتركة عني بجمعها وتصنيفها مجموعة من العلماء. وكان ذلك سببا من أسباب اختلاف المفسرين والفقهاء وعلماء الأصول في تأويل كثير من النصوص القرآنية، وقد أدى هذا الأمر إلى الاختلاف فــي الاستنباط وتقرير كثير من الأحكام الفقهية. لذلك حظيـت هذه الظاهرة، أي ظاهرة وجود المشترك اللفظي في القرآن الكريم بعناية كبيرة من لدن المتقدمين، وعرفت باسم الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، قال الزركشي: «فالوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان، كلفظ «الأمَّة»، والنظائر كالألفاظ المتواطئة».

بل الأكثر من ذلك أن الإمام السيوطي عد وجود الألفاظ المشتركة في القرآن الكريم من أعظم مظاهر إعجازه «حيث كانت الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجها وأكثر وأقل، ولا يوجد ذلك فـي كـلام البشر».

وكأنه يشير بذلك إلى قابلية اللفظ القرآني وقدرته على تحمل معاني متعددة. فهو إذن وسيلة من وسائل التوسع في التعبير عند العرب، وسبب من أسباب توفير معاني القرآن الكريم، وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى تعامل بعض العلماء مع هذه القضية.

ابن جرير الطبري: يذهب الطبري إلى وجود المشترك اللفظي في القرآن الكريم، ويعتبره وسيلة من وسائل التوسع في التعبير، وظاهرة لغوية مطردة في كلام العـرب فيقول: «فإن قال لنا قائل: وكيف يجوز أن يكون حرف واحد شاملا الدلالة على معان كثيرة مختلفة؟ قيل: كما جاز أن تكون كلمة واحدة تشتمل على معان كثيرة مختلفة، نحو قولهم للجماعة من الناس: أمة، وللحيــن مـن الزمـان: أمة، وللرجل المتعبد المطيع لله: أمة، وللدين والملة: أمة».

ولكن الطبري يرجح معنى معينا على معنى آخر إذا دل السياق على ذلك، وفي هذا السياق يقول في قوله تعالى: {مالك يوم الدين} (الفاتحة: 4)، والدين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأعمال... وللدين معان في كلام العرب غير معنى الحساب والجزاء، سنذكرها في أماكنها إن شاء الله.

الشريف المرتضي: ويذهب الشريف المرتضي أيضا إلى القول بوجود معاني متعددة للفظ الواحد، وفي هذا الصدد يقول: «ولا يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد من اللغة وكلام العرب، لأن الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني».

الشيخ محمـد الطاهـر بـن عاشـور: ومـن المعاصريـن انتبه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلـى هـذا الأمـر وأصله وخصص له المقدمة التاسعة من مقدمات تفسيره، وذلك ليكون قانونا يسار عليه في الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض، وفي هذا السياق يقول: «وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن يجعل غير ذلك المعنى ملغى. ونحن لا نتابعهم على ذلك، بل نرى المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي البليـغ، معاني في تفسير الآية».

فعند ابن عاشور إذا ذكر في تفسير آية من الآيات معنيان فأكثر، فذلك على هذا القانون، وإذا ترك معنى من المعاني فليس تركه دالا على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجح غيره، وقد يكون اكتفاء بذكره في تفاسير أخرى تجنبا للإطالة.

الأستاذ محمد خليل جيجك: ويقسم الأستاذ محمد خليل جيجك المشترك الذي يستعمل في القرآن الكريم إلى قسمين اثنين:

أحدهما: ما لا يتبادر إلى الذهن ولا يصح بحسب المقام إلا واحد فقط وهو الغالبية العظمى في مشترك القرآن.

ثانيهما: ذلك اللفظ الذي فيه حسب وضعه اللغوي اشتراك بين المعاني المتعـددة، والمقام لا يأبى عن أن يحمل على أحد تلك المعاني.

وبتعبير آخر فإن المشترك في القرآن الكريم قسم منه يوجد معه القرينة المعينة لأحد المعاني فيحمل عليه لا غير، وهذا القسم ليس من مجال بحثنا. وقسم منه لا توجد معه قرينة تدل على معنى الكلمة، فيحمل على ما يساعده المقام من وجوه المعاني، وهذا القسم هو الذي نحاول أن نعالجه في هذا الموضوع.

لقد دفع وجود المشترك اللفظي في القرآن الكريم بهؤلاء العلماء إلى المزيد من الاهتمام به، والتوجه إلى الخوض في مناقشة ما يتعلق منه بألفاظ القرآن. وإتماما للفائدة لابد من الإشارة إلى بعض الأمثلة من القرآن الكريم لتكون نموذجا نستنبط به ونقيس عليه حكم سائر المواطن التي يسبب فيها الاشتراك اللفظي تعدد المعاني.

المثال الأول قوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهـو وزينـة وتفاخـر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} (الحديد: 20).

يجوز أن يراد بالكفار الزراع، جمع كافر، لأنه يكفر الزريعة بتراب الأرض، والكفر بفتح الكاف: الستر، أي ستر الزريعة. قال الشيخ محمد الطاهـر بن عاشور: «وإنما أوثر هذا الاسم في الآية، وقد قال تعالى في سورة الفتح {يعجب الزراع} قصدا هنا للتورية بالكفار الذين هم الكافرون بالله لأنهم أشد إعجابا بمتاع الدنيا إذ لا أمل لهم في شيء بعده».

ويجوز أن يراد بالكفار في الآية الكافرون بالله لأنهم قصروا إعجابهم على الأعمال ذات الغايات الدنيا دون الأعمال الدينية.

فكلمة «الكفار» مشترك لفظي، وذكر في الآية وهو صالح لأن يراد به المعنيين معا: الزراع والكفار الذين هم الكافرون بالله.

المثال الثاني قوله تعالى: {فأصبحت كالصريم }(القلم: 20) قيل الصريم الليل، وقيل النهار لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر، وقيل الصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة، وقيل اسم رملة معروفة باليمـــن لا تنبت شيئا.

يتجلى لنا من خلال هذه الآية الكريمة أن الـله تعالى أتى بكلمة «الصريم» هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية.

المثال الثالث قوله تعالى: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلهـا وقثائهــا وفومها وعدسها وبصلها} (البقرة: 61).

يجوز تفسير كلمة الفوم في الآية بالخبز، ويجوز أن تفسر بالحنطة، وهي المشهورة، فقد سئل عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عن قوله عز وجل «وفومها» فقال: الحنطة، وأنشد قول الشاعر

قد كنت أغنى النـــاس شخصا واحدا

ورد المدينة عـــن زراعــة فوم

يعني الحنطة. ويجوز أن يراد بها الثوم، والشاهد هو قول حسان بن ثابت  "رضي الله عنه"

وأنتـــــم أنــــــــاس لئــــــام الأصول

طعامكم الفـــــوم والحوقل

أي الثوم والبصل، وقيل: الفوم السنبلة، وقيل: الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تخبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه.

فإيثار كلمة الفوم في الآية كان لكثرة معانيها، ولو أتى الله عز وجل بدلها بكلمة أخرى كالثوم أو الحنطة مثلا، لما جاز حملها على كل تلك الوجوه.

المثال الرابع قوله تعالى: {وسيدا وحصورا} (آل عمران: 39) قال جمع من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم: الحصور الذي لا يأتي النساء. وقيل: الحصور الذي لا يولد له ولا ماء له. وقيل: الحصور المعصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصور عنها. وقيل: الحصور هو الذي يمنع نفسه من الشهوات. وقيل: الحصور هو الذي ليس له شهوة النساء.

يتضح لنا أيضا أن الله عز وجل لو أتى بكلمة أخرى بدل كلمة حصورا لما تأتى الإتيان بكل هذه الوجوه أو بعضها، فإيثار كلمة «حصورا» في الآية الكريمة جاء لكثرة معانيها وصلاحية كل تلك المعاني لأن تراد في الآية.

المثال الخامس قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ ونهر}، فكلمة «نََهَر» لها دلالات متعددة، منها السَعة في الرزق والمعيشة. ومنها أيضاً الضياء، لأن الجنة ليس فيها ليل إنما هو نور يتلألأ. ومن معاني النَهَر في اللغة أيضاً مجرى الماء.

فالآية تحتمل كل هذه المعاني وهي كلها مرادة. فالذين اتقوا عقاب الله بطاعتـه وأداء فرائضه واجتناب معاصيه في ضياء وماء وسعة في العـيش والـرزق وكل ما تقتضيه السعادة.

فكلمة «نهر» إذن مشترك لفظي، وقد ذكر في الآية، لأنه صالح لأن تراد به كل المعاني المذكورة. وهذا من التوسع في المعنى.

نكتفي بهذه الأمثلة لتكون نموذجا لنا ونبراسا نهتدي به إلى سائر المواطن الأخرى التـي يسبب فيــها الاشتراك اللفـظي كثــرة المعانــي وتعددها.

والخلاصة، فإن كل ما قررناه في هذا الموضوع إنما هو أن يحمل المشترك في القرآن الكريم على ما يحتمله من المعاني سواء في ذلك اللفظ المشترك بين مختلف الاستعمالات، سواء كانت المعانــي حقيقية أو مجازية، محضة أو مختلفة. ونعتقد أن هذا لا يتأتى إلا للأفذاذ من أهل البلاغة والفصاحة الذين لهم باع طويل في البيان والمعاني.

وإذا نظرنا إلى كتاب الله عز وجل من هذه الناحية، فإننا نراه يستعمل أشمل الكلمات في لغة العرب لمعان عديدة مقصودة، وبذلك تكثر معاني القرآن الكريم مع الإيجاز، وهذا من آثار كونه معجزة خارقة لعادة كلام البشر، ودلالة على أنه كلام ربنا العليم الذي يعلم السـر وأخفى وخلق اللفظ والمعنى، فلا يخفى عليه من أمرهما شيء.

أكاديمي مغربي

 

 

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم.

2- البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي، تحقيق محمد أبوالفضـل إبراهيم، دار التراث، القاهــرة، ط 3/ 1404 هـ ـ 1984 م.

3 - تأويل مشكل القرآن لأبي محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق إبراهيـم شمس الديـن، دار الكتب العلمية بيروت، ط 2 / 1428هـ ـ 2007م.

4- تفسير التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. دار سحنون للنشر والتوزيع . تونـس.

5 - تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي بالتعاون مع الدكتور عبد السند حسن يمامة، مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر للطباعة والنشــر، ط 1 / 1422 هـ ـ 2001م.

6 - تفسير القرآن العظيم للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي، تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة للنشـر والتوزيع، ط 2/ 1420هـ ـ 1999م.

7- ثراء المعنى في القرآن الكريم للدكتور محمد خليل جيجك، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، القاهــرة ط 1/ 1419 هـ - 1999م.

8- دور الكلمة في اللغة لستيفن أولمان، ترجمة وتقديم وتعليق الدكتور كمال محمد بشر، مكتبة الشباب.

9- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني، اعتنى به وراجع أصوله يوسف الغوش، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان، ط 4 / 1428 هـ ـ 2007م.

10- فصول في فقه العربية للدكتور رمضان عبدالتواب، مكتبة الخانجي بالقاهـرة، ط 6 / 1420 هـ ـ 1999م.

11- في اللهجات العربية للدكتور إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلـو المصرية.

12- لسان العرب للإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظـــــــور الإفريقي المصري، دار صادر، بيروت.

13- المزهر في علوم اللغة وأنواعها للعلامة عبدالرحمن جلال الدين السيوطـي. تحقيق محمد أحمد جاد المولى وعلي محمـد البجاوي ومحمــد أبوالفضل إبراهيم. مكتبة دار التراث. القاهرة. ط 1.

14-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للقاضي أبي محمد عبدالحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق عبدالسلام عبدالشافــي محمــد، منشــورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ط 1 / 1422 هـ ـ 2001م.

15- معترك الأقران في إعجاز القرآن لجلال الدين السيوطي، ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1408 هـ ـ 1988م.

16- مقدمة التفسير للراغب الأصفهاني، المطبعة الجمالية، مصـر، ط 1/ 1329هـ.

      © 2012 . .