551
يونيو- يوليو 2011

حكمة صلاة الجمعة

جاسر عودة

العبادات في الإسلام لها حكم ومقاصد عديدة، أول هذه الحكم والأهداف هو ذكر الله تعالى: {أقم الصلاة لذكري}، {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله}، {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} إلى قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}، وهكذا.

من حكمة العبادات إظهار الخضوع والتسليم لله، والاتباع لرسوله ص بصرف النظر عما نفهم نحن من حكم وأسرار، فمثلًا تساءل عمر رضي الله عنه عن السر في «الجري في السعي» والكشف عن المناكب (أي في ملابس الإحرام) بعد أن أعز الله الإسلام، والقصة هي أن الرسول ص حين دخل مكة فاتحًا أشاع الكفار أن المسلمين قد أضعفتهم أوبئة المدينة، فأمرهم ص أن يجروا في الطواف والسعي ويكشفوا عن أكتافهم (للرجال) حتى يظهروا قوة المسلمين والإسلام، لكن عمر- لأنها أصبحت عبادة مستقرة- قال: «لا ندع عبادة كنا نفعلها على عهد الرسول ص» (رواه البخاري).

ويوم الجمعة من أيام العبادة الخاصة في الإسلام، قال عنه ص: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، وقال ص: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق الله آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»، وقال ص: «إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة»، وقال ص: «نحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ثم هذا اليوم «الجمعة» الذي كتبه الله علينا هدانا الله له»، وغير ذلك كثير من الأحاديث الصحيحة (راجع البخاري ومسلم- أبواب الجمعة).

وصلاة الجمعة لها شأن خاص، نزلت سورة كاملة من القرآن باسمها، وفيها: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الجمعة: 9)، وقال عنها ص: «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه»، وقال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج لا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى»، وقال: «إذا كان يوم الجمعة، وقفت الملائكة على باب المسجد، يكتبون الأول فالأول»، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة كذلك الموعظة وتبادل المشاعر الطيبة والسؤال عن الغائب والمريض، إلى آخر ذلك من حكم ومقاصد فردية وجماعية عظيمة، ثم ظهرت لنا في الأسابيع الأخيرة والتي بدأ فيها عصر ثورات الشباب الحديثة، ظهرت لنا حكمة جديدة لصلاة الجمعة! وهي أن هذه الصلاة هي الملاذ والملجأ الأخير للشعوب المقهورة لكي تثور على جلاّديها وتحطم أصنامها وتوحد الكلمة وتجمع الصف، فمهما منع المستبدون التجمع فوق ثلاثة أو أربعة أو خمسة أشخاص، ومهما أغلقوا وسائل التواصل الإلكترونية أو الهاتف أو المواصلات، ومهما حظروا المظاهرات والاحتجاجات.. فالجمعة شعيرة إسلامية لا يستطيع أن يمنعها أحد، وهي المنطلق الذي ينطلق منه الشباب في مختلف بلادنا لبدء الثورة أو استمرار الثورة أو حتى إنقاذ الثورة! فمن جمعة الغضب لجمعة الشهداء، لجمعة الزحف، لجمعة الخلاص، لجمعة الوحدة الوطنية، لجمعة الاستقرار، لجمعة النصر، لجمعة الإنقاذ، إلى آخر هذه الأسماء المبدعة.

هكذا تخدم شعيرة صلاة الجمعة الأهداف العليا وتدفع المسلمين دفعًا في مسيرة الإصلاح والتغيير والتجديد.

وأخيرًا، لا ننسى الشهداء، فبالإضافة الى انطباق قول الرسول ص عليهم: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»، ينطبق عليهم كذلك قول النبي ص: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر.

      © 2012 . .