567
سبتمبر- أكتوبر 2012

 
أسرة

أهمية سرد القصة للأطفال

د.آندي حجازي - أستاذة جامعيّة أردنيّة

القصة هي حكاية تقوم على الأحداث والصراع والعقدة والحل والشخوص والزمان والمكان بهدف الإمتاع والتسلية والتعليم وتوسيع المدارك، وتعتبر القصة وسيلةً مهمةً من وسائل التعلم والتعليم وإيصال المعلومات والسلوكيات والقيم المرغوب بها، فهي عبارة عن منظومة مركبة من شخصيات وأحداث وحبكة وحلول تجذب انتباه المستمعين، ولذلك تتطلب القصة مهارةً في سردها فهي عمل فنيّ واتصاليّ ومهاريّ وتعلميّ يحتاج إلى جهد وفن..  0036234_opt.jpeg  ولقد كانت القصة وعلى مرّ الزمن محط اهتمام الأطفال والبالغين على حدٍّ سواء، ووسيلةً لتناقل المعلومات والأحداث التاريخية؛ فمثلًا برزت في أزمان كثيرة شخصية الحكواتي الذي كان يجتمع أهل الحي أو القرية من حوله للاستماع إلى قصصه وحكاياته ذات الحبكات المتقنة، والحلول الوفيرة، والنهايات المتعددة.. فقد كانت الحكايات والقصص آنذاك وسيلة لنقل أخبار البطولات والفتوحات والعلماء والشعراء والمبدعين السابقين.. بالإضافة إلى القصص الخيالية، ولذلك كان الحكواتي يمتهنها كمهنة أحيانًا لما تحتاجه من جهدٍ في التأليف، ومن أسلوبٍ يستطيع نقل المستمع إلى العالم الذي يريد، بحيث يُعْمِل المستمع في خياله وفكره وإبداعه الخاص لتصور الأحداث والشخصيات.

ولكن هذه الشخصية (الحكواتي) اختفت او انقرضت كظاهرة في عصرنا الحديث، لأنه اُستعيض عنها بالوسائل الحديثة كالتلفزيون والراديو والانترنت والصحف والمجلات، فما الأفلام والمسلسلات التي تعرض في التلفاز إلا قصص تتوافر بها الأحداث والشخصيات والعُقَد والحلول، وبميزة أنها مصوّرة وترتكز على حاستيّ السمع والبصر معًا، ولكن مع تقليل توظيف الخيال للمستمع كما كان في السابق.

وتبقى القصة.. وعلى مَرّ الزمن عنصر جذبٍ واهتمامٍ كبير للصغار والكبار على حدٍّ سواء، ومادةً قيّمة لنقل الأفكار والقيم، وتسليةً للنفوس مع تحقيق الأهداف المبتغاة، ولذلك نجد أن الله تعالى وهو العالمُ بطبيعة النفس البشرية من انجذابها للأسلوب القصصي في التعليم، ومن شغفها لكشف الأحداث والغموض، ولحبها للاستماع والتعلم؛ قد استخدم الأسلوب القصصي في القرآن الكريم وبطرقٍ شتّى، وقد قال تعالى:{نحن نقصُّ عليك أحسنَ القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} (يوسف:3)، وأرى أن أسلوب القصة قد جاء في القرآن الكريم بثلاث طرق رئيسة وهي:

سرد القصة كاملة، وكأنها عرض لسيرة ذاتية منذ الصغر وحتى الكبر في سورة واحدة بتفاصيل مهمة موضحة للأمور مما يجعل القارئ يعيش أحداث القصة كما في قصة يوسف عليه السلام، فقد أوردها الله تعالى مفصلةً بطريقة مشوقة جدًا لدرجة أنك لا تمل منها مهما قرأتها مرارًا وتكرارًا، فتنجذب إليها لما تجد بها من عناصر القصة المحكمة، وتستخلص منها العبر والحكم والفوائد العظيمة؛ كالصبر والتسامح وتحمل الألم والرفعة، وفضل الله وكرمه، وأخذ الحذر لتجنب الحسد والغيرة، وشكر الله على نعمه.

سرد عدة قصص مكتملة في سورة واحدة وبشكل غير تفصيلي ولكن مؤدٍّ للهدف، بتضمنها الشخصيات والأحداث والحبكة والنهاية كما في سورة الكهف، والتي بدأها الله تعالى بقصة أهل الكهف، ثم قصة أصحاب الجنتين، فقصة الخضر مع موسى عليه السلام، وانتهاءً بقصة ذي القرنين مع يأجوج ومأجوج، مع اتضاح العبرة والحكمة في كل قصة.

عرض قصص متفرقة في أكثر من سورة للشخصية ذاتها، كما في قصص الأنبياء موسى وإبراهيم وصالح ونوح عليهم السلام.. بحيث يتضح في كل مرة جانب من جوانب القصة الرئيسية والسيرة الذاتية للنبي والهدف من رواية القصة.  149601_opt.jpeg

فسرد القصص من الأساليب المشوقة والهامة لتعليم الأطفال والكبار، سواء أكانت القصص من تأليف من يرويها، أو ممّا ورد عبر الزمن لأخذ العبرة والفائدة، فالقصة لها أهمية كبيرة في حياة الطفل وتعلمه وتنمية شخصيته؛ لما يمكن أن يتعلم من خلالها عن العالم الحالي والسابق والتاريخ وما حدث به، ولذا نرى أن هناك جهتين عليهما الاهتمام بسرد القصص للأطفال وهما:

أولاً: المعلمون والمربون في المدرسة

تعتبر القصة وسيلةً رائعةً لجذب الانتباه لما يريد المعلم قوله أو إيصاله للأطفال وحتى المراهقين، وذلك في جميع المواد الدراسية، وأذكر أنني عندما كنت أمارس مهنة التعليم في المدرسة عندما أبدأ بسرد قصة سواءً للأطفال أو المراهقين فإنّ الطلبة ينجذبون بحواسهم وأعينهم، وتصبح آذانهم صاغية، ويتركون ما هم منشغلين به بأيديهم، وتتفتح عقولهم طلبًا لسماع القصة، والعقدة التي بها وصولًا إلى نهايتها، فكنت أجد القصة وسيلةً رائعةً لتحقيق أهداف الدرس وقِيمه التربوية المراد التأكيد عليها كالصدق والأمانة، ومساعدة الآخرين، ورضا الله تعالى، ورضا الوالدين، والشجاعة، واستغلال الوقت..

ولكن على المعلم أو المعلمة مراعاة العمر أو المرحلة العمرية للطلبة، واختيار القصة المناسبة لهم والأسلوب المناسب لسرد القصة، فمثلاً يمكن مع طلبة رياض الأطفال استخدام العرائس والدمى لعرض القصص.. والأطفال الصغار يحبون قصص الحيوانات والطيور والطبيعة والأطفال لارتباطهم بالمحسوس أكثر من المجرد، أما في مرحلة المراهقة فإنهم يفضلون قصص المغامرات والبطولات والغموض، ويحبون استخدام أسلوب التمثيل والمسرح في التعليم؛ فما المسرح المدرسي وتمثيل المسرحيات إلا نوع من أنواع القصص التي تكون مثيرةً جدًا لانتباه الطلبة، ويشعرون من خلالها أنهم عنصر فاعل في التعلم والتذكر، كما يمكن أحيانا توفير الفرص للطلبة بتأليف القصص وسرد بعضها على زملائهم بأسلوبهم فهي أيضا مهمة لتعليم الطلبة.

وعلينا إدراك أنّ القصص لا تُنمي فقط الجانب المعرفي واللغوي للطالب من خلال تنمية معلوماته ومعارفه ومفرداته وتراكيبه اللغوية وقدراته الكتابية والتأليفية، بل وتنمي الجانب الاجتماعي والانفعالي، والجانب الأخلاقي والحس الوطني والديني من خلال غرس المفاهيم الأخلاقية والتربوية والمفاهيم الإيجابية، مما يُسهم في بناء شخصيةٍ متكاملةٍ متوازنةٍ للطفل، فلا يجب إغفال هذا الأسلوب في التعليم لأنه جدّ مشوق ومثمر، خاصةً وأنّ القصة لاتُنسى وتَترك أثرًا طويل المدى في النفس، فمن منّا لا يذكر قصةً سمعها من أحد معلميه في السابق؟ فالقصة أسلوب ينطبع في الذاكرة.  69702_opt.jpeg

ثانيًا: الأمهات والآباء في البيت

لا يجدر بالوالدين الغفلة عن أهمية سرد القصص للأطفال وخاصة الصغار منهم، بل ويجب تعويدهم على سردها لهم يوميًا قبل النوم، لما لها من متعة وسعادة وأثر في نفس الطفل بل ويتخيل نفسه بطلاً فيها أحيانًا، ويمكن للأم أو الأب تقديم الكثير من القيم والسلوكات المرغوب بها أو المراد التخلي عنها وتعديلها؛ من خلال عرض قصصٍ لأطفال كانوا يمارسون تلك السلوكات وماذا حل بهم أو كيف غيّروها.. فالقصة أسلوب غير مباشر لتغيير السلوك وتشجيع الطفل على نبذ السلوك السيء وإتيان السلوك الحسن؛ كنبذ الكذب والغش والسرقة، والتشجيع على الصدق والإخلاص... فالقصة مهمة لشخصية الطفل العقلية والروحية والسلوكية والأخلاقية والانفعالية، فهي تُعرفه الصحيح من الخطأ، وإذا كان الطفل يعاني من مشكلة سلوكية معينةٍ، فالقصة أسلوب مثالي لتقويمها، بالإضافة إلى أن القصة تستثير اهتمامات الطفل بالمعلومات التي تحويها كالجبال والأنهار والينابيع والغابات والصحابة.. وهي تنمي حصيلته اللغوية، ومفرداته، وتزيد من قدرته في السيطرة على اللغة والنطق للكلمات، وتنمي معرفته بالماضي والحاضر، وتوسع من مخيّلة الطفل ومداركه.

وقصص الوالدين يمكن أن تكون خياليةً أو واقعيةً، من تأليفهم أو مكتوبة أو مصورة، باللغة العربية أو الإنجليزية، ويجب أن تكون هادفةً وبمستوى الطفل العقلي والزمني، وبلغةٍ سهلةٍ وواضحةٍ، وجذابةٍ ومرحةٍ مع مراعاة التنغيم في الصوت ورفعه وخفضه بحسب الموقف وشخصيات القصة، وأن تراعي القصة ميول الطفل واهتماماته، ومن أجمل أساليب سرد القصة، جعل الطفل ذاته الذي تُسرد له القصة هو بطل القصة نفسها فهذا الأسلوب له أثر كبير جدًا في نفس الطفل وتعلمه وتحسّن سلوكاته وأفعاله، بالإضافة إلى تحسين قدرته على حل المشكلات.

وقد يسأل الوالدين متى أبدأ سرد القصص لأبنائي أي في أي عمر؟ وماذا أسرد لأطفالي فأنا لا أتقن تأليف القصص؟ بإمكان الوالدين سرد القصص للأبناء من عمر الثلاث سنوات أو أربع مع تبسيط الكلمات واستخدام بعض الصور ويمكن الاستمرار في سرد القصص لعمر 15 عامًا على الأقل، فحتى الكبار يحبّون سماع القصص إن كانت بأسلوب مشوّق ويناسب عمرهم الزمني وقدراتهم العقلية، وبالحقيقة توجد الكثير من القصص لسردها، فمن الجميل سرد قصص الأنبياء وقصص القرآن الكريم، وقصص من سيرة رسول الله محمد  " صلى الله عليه وسلم"  للتعلم من حياته وبطولاته وأخلاقه، وأيضًا سرد قصص الفتوحات أو أبطال وفرسان الإسلام، وقصص العظماء والمخترعين والعلماء وخاصةً من تاريخنا الإسلامي العظيم، وهناك القصص الشعبية، وقصص المغامرة، وقصص الفكاهة، والقصص العالمية.. وجاء في بعض الإحصاءات إن 75% من الأمهات كنَّ في الماضي يسردن القصص لأولادهن، وأما اليوم فتصل النسبة إلى 15% فقط لانشغالهن داخل البيت وخارجه، ومهما تعددت الأسباب وتنوعت لابد من الانتباه والالتفات للأطفال وإعطائهم مساحةً وقتية كافية من الاهتمام وبناء الشخصية وتعديل السلوكات، فعليك أيتها الأم وأيها الأب تخصيص جزءٍ من وقتك ولو خمس أو عشر دقائق من أجل سرد القصص لأبنائك وسترى أثرها ومفعولها السحري في النفوس، فالقصة فكرة وعبرة وتعلم وإبداع وتغيير في الأفكار والسلوكات.

 

      © 2012 . .