553
أغسطس 2011

ولاية التعليم في عصر النبوة والرسالة.. الوظائف والشروط والمنهج (2-2)

الدكتور: محمد الأنصاري

المسألة الثانية: عنايته ص بالتعليم العام (تعليم العلوم الإنسانية والمادية)

لم يقتصر اهتمام النبي ص بالحث على تعليم الإسلام, وتعلم أحكامه, وإنما أولى اهتمامه كذلك بتعليم الصحابة العلوم النافعة، فحرص على تعليمهم القراءة والكتابة, وتعليمهم الحرف والصناعات, فقد ثبت عنه ص في السنة أنه حث على تعلم وتعليم الكتابة, والسباحة، والرماية, وركوب الخيل، يشهد لذلك قوله ص: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعه الخير, والرامي به, ومنبله... ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها»، وكذلك تكليفه ص بوظيفة تعليم الكتابة عددا من الصحابة الذين كانوا يحسنونها، كعبدالله بن سعيد بن العاص، فقد كلفه ص بتعليمها الناس في المدينة, أول قدومه ص إليها, وتولى عبادة بن الصامت تعليم جماعة من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فعنه رضي الله عنه قال: «علمت ناسا من أهل الصفة الكتابة والقرآن».

ومن الثابت هنا أنه ص جعل فداء كل أسير من أسرى بدر, ممن يحسنون فن القراءة والكتابة، أن يعلم عشرة من أبناء الصحابة, فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ص فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة».

وثبت أيضا أنه ص أمر زيد بن ثابت بتعلم اللغة السريانية ليتولى أعمال الترجمة والرد على الرسائل، وروي أنه تعلم بأمر منه ص العبرية والفارسية والرومية وغيرها، فعنه رضي الله عنه قال: «أمرني رسول الله ص أن أتعلم لـه كلمات من كتاب يهود، قال: إني والله ما آمن يهود على كتابي, قال فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته لـه, فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم, وإذا كتبوا إليه قرأت لــه كتابهم»، وفي رواية أخرى عن زيد بن ثابت أيضا قال: «أمرني رسول الله ص أن أتعلم السريانية».

ولم تقتصر عنايته ص بتعليم هذه الفنون والعلوم للرجال فحسب, إنما اعتنى أيضا بتعليم النساء العلم والكتابة, فعن الشفاء بنت عبدالله قالت: «دخل رسول الله ص وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة» (أبوداود).

وجملة القول, فإن ما تقدم هو قليل من كثير ورد عن النبي ص في شأن عنايته بالمسألة العلمية, تعلما وتعليما, أقوالا وأعمالا, مما يبرز اهتمامه الفائق بولاية العلم والتعليم.

ومن خلال عنايته تلك، يتضح أن السياسة النبوية التعليمية سياسة في غاية الدقة والإتقان، وسيتبين هذا أكثر في العنصر الموالي.

العنصر الثاني: قواعد منهجية في ولاية العلم والتعليم

إن الدارس للسنة النبوية، المتتبع لسيرته ص في شأن ولاية التعليم، ليدرك أنه ص كان يتبع في تعليم الناس وتزكيتهم وإعدادهم وصياغتهم على وفق مراد الله تعالى خطة متقنة ومنهجا قويما وطريقة حكيمة، مستخلصة من بصائر القرآن وهداياته المنهاجية في التفكير والتعبير والتدبير، حيث كان يختار من الأساليب والوسائل أحسنها وأجودها, وأكثرها وقعا في نفس المتعلم، وأقربها إلى فهمه وعقله, وأشدها تثبيتا للعلم في ذهنه، مراعيا في ذلك كله مستوى الطالب وعقله ونفسه وحاله وحاجته ورغبته، ولا غرابة في ذلك كله، فالرسول ص هو المعلم الأول لهذه الأمة، المعد لهذه الوظيفة من الله تعالى إعدادا من طراز خاص, حتى بلغ ذروة الكمال الإنساني في كل شيء, فكان أسد الناس، وأرشدهم وأحكمهم وأعلمهم، وكيف لا وهو الذي علم المسلمين قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء: 9)، فلا عجب إذن أن يكون عليه السلام أهدى الناس جميعا للتي هي أقوم في كل شيء, ومن ثم أهداهم في المنهج التعليمي وأفقههم فيه, وأعلمهم بأساليبه وقواعده وخططه ومقاصده ووظائفه.

وفيما يلي أعرض أهم الأساليب والوسائل المنهجية، التي سلكها الرسول ص في تعليمه لأصحابه, رغبة في بعثها من جديد, وإحيائها في النفوس الزكية, والعقول النيرة, والضمائر الحية, عساها أن تنير الطريق للراغبين من أبناء أمتنا في الاهتداء للتي هي أقوم في ولاية العلم والتعليم، فما أحوج المسلمين اليوم أكثر من أي وقت مضى, أن يعودوا من جديد, بعد تيه كبير وضلال مديد, وارتماء في أحضان السياسات التعليمية المستوردة من الغرب الضال, إلى المنهج القرآني الرباني في تعليم الأمة وتربيتها, وصياغتها صياغة إسلامية مستقيمة متوازنة شاملة على وفق مراد الرسالة القرآنية والسنة النبوية.

وأهم هذه الأساليب والقواعد المنهجية النبوية مايلي:

- ربطه ص المتعلمين بالله تعالى بدءا وانتهاء, فهذا الربط شرط منهجي في ترسيخ العلم بالله تعالى في قلب المتعلم, حتى إذا أراد القراءة، قرأ كل مقروء باسم الله سواء كان المقروء وحيا في الكتاب المسطور أم كونا في الكتاب المنظور، تأسيا بأمر الله لنبيه ص بذلك في أول الوحي إليه: { اقـرأ باسـم ربـك الـذي خلـق...} (العلق: 1), وعمـلا بقوله ص: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع»، هذا في بداية التعليم, أما عند الانتهاء منه, فقد روى أبوبردة الأسلمي (ض) أن النبي ص كان إذا جلس في المجلس فأراد أن يقوم, قال: «سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك».

- تعليمه ص أصحابه العلم والعمل معا, فقد اتبع هذا الأسلوب في التعليم, وهو شرط منهجي في بيان القصد من العلم للمتعلم, وحمله على العمل بمقتضى ما يتعلمه, فعن عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب أن رسول الله ص: «كان يقرئهم العشر فلا يجاوزها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل, فيعلمنا القرآن والعمل جميعا», يشهد لذلك ما رواه أحمد عن أبي عبدالرحمن زيد بن خالد الجهني أنه قال: «حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب النبي ص أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ص عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل, قالوا فعلمنا العلم والعمل», فالرسول ص بهذا الأسلوب التعليمي، كان يعطيهم القدوة الحسنة, فالمعلم المربي لا يجوز لـه إلا أن يكون قدوة في العلم والعمل لتلاميذه وطلابه, ولهذا كان ص متحققا بعلم القرآن متخلقا بأخلاق القرآن, يقول الشاطبي: «وإنما كان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن, لأنه حكم الوحي على نفسه, حتى صار في علمه وعمله على وفقه, فكان للوحي موافقا, قائلا, مذعنا, ملبيا, واقفا عند حكمه», ولا غرابة في هذا, فالله تعالى اختاره ليكون أسوة حسنة فقال سبحانه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} (الأحزاب: 21).

وبهذه الطريقة استطاع الرسول ص أن يجعل العمل بالعلم عند الصحابة منهجا في التعلم والتعليم, فبورك لهم في العلم والعمل جميعا, ومن ثم وجدناهم لا يهمهم الحفظ أكثر مما يهمهم العمل بما حفظ، فقد روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما مكث ثماني سنين في تعلمه سورة البقرة, وروي عنه أنه قال عن أبيه: «تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورا».

وقد بين عبدالله بن مسعود هذا الأمر أكثر لما قال: «إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن, وسهل علينا العمل به, وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن, ويصعب عليهم العمـل به», وأما في زمننا نحن, فقد صعب على الناس حفظه والعمل به معا, ولا حول ولا قوة إلا بالله. والقاعدة المقررة عند الشاطبي المؤطرة لهذا المسلك في التعليم هي: «إنما يكون العلم باعثا على العمل، إذا صار للنفس وصفا وخلقا».

- اتباعه ص قاعدة التيسير والتخفيف في تعليم الناس، وهي قاعدة عظيمة من قواعد المنهج الإسلامي العام، ومن مظاهرها البارزة مظهران هما:

أ- أنه ص كان يتخول أصحابه بالموعظة حتى لا يملوا، وتخول المعلم المتعلم بالعلم سمة من سمات المنهج النبوي في التعليم، وقد شهد لـه ص بسلوك هذا الأسلوب الصحابة أنفسهم، فعن عبدالله بن مسعود قال: «كان رسول الله ص يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا»، وبهذا المسلك استطاع ص أن يحبب لأصحابه التعلم, وأن يجعل رغبتهم في الطلب قوية, وقابليتهم للتلقي عالية, فعلمهم بذلك العلم والمنهج معا, إعمالا لقوله ص: «يسروا ولا تعسروا, وبشروا ولا تنفروا», فتعلموا أن الإسلام يقوم على قاعدة التيسير ونفي التعسير في جميع الأحوال، وأن التبشير وعدم التنفير ملازم للتيسير.

ب- نهجه ص في التعليم سنة التدرج، فالتدرج منهج عملي في التعلم والتعليم، فقد كان ص يقدم الأهم فالأهم والأولى فالأولى, ويعلم شيئا فشيئا, ليكون ذلك أجدى في التعلم, وأثبت على الفؤاد حفظا وفهما, يقول ابن حجر في هذا المعنى- عند شرحه للحديث السابق- «وكذا تعلم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج, لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلا حبب إلى من يدخل فيه, وتلقاه بانبساط, وكانت عاقبته غالبا الازدياد بخلاف ضده», فاتباع الرسول ص لهذه السنة في تربية أصحابه كان بغرض تعليمهم العلم ومعه المنهج المتدرج في منازل العلم، حتى يدركوا أنها سنة كونية وقاعدة شرعية, يجب على العالم مراعاتها في تعليم الناس وتربيتهم.

- اعتماده ص قاعدة «الحاجة والرغبة في تلقين العلم وتعليم الناس، وهما يختلفان باختلاف الأحوال والأشخاص والزمان والمكان والإمكان»، رغبة منه ص في حصول المقصود دون إملال أو تنفير، ولهذا كان يراعي في المتعلمين أحوالهم وعقولهم، فيخاطب كل واحد بقدر فهمه، وبما يلائم منزلته، وكان يحافظ على قلوب المبتدئين، فيقدم لهم ما ينفعهم, وكان يجيب كل سائل عن سؤاله بما يهمه ويناسب حاله, كما أنه ص كان يخص بالعلم أناسا دون أناس كراهية ألا يفهموا, فعن أنس بن مالك (ض) أن النبي ص قال لمعاذ: «يا معاذ, قال: لبيك رسول الله وسعديك- قالها ثلاثا- قال: ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله, صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله, أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: لا، إذن يتكلوا», فكان ص يعطي لكل قوم ما تدركه عقولهم ويصلح حالهم، فأخذ الصحابة عنه ص هذا الأسلوب التعليمي، فقد روي في هذا المعنى عن عبدالله بن مسعود قال: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».

- اتباعه ص أسلوب طرح المسألة على المتعلم، فربى بذلك أصحابه على البحث واستعمال الفكر والنظر، والاعتماد على النفس في معرفة الأشياء.

ويستفاد من هذا الأسلوب أن المنهج النبوي في التعليم منهج حواري يقوم على المساءلة والجواب والمناقشة، ويشهد لذلك شواهد كثيرة منها ما رواه ابن عمر عن النبي ص أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها, وإنها مثل الرجل المسلم, حدثوني ما هي؟ قال عبدالله: فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة, قال: فاستحييت, فقالوا: يا رسول الله ما هي؟ قال: النخلة»، فكان ص يقصد من اتباع هذا الأسلوب التعليمي، اختبار ذهن المتعلم وتربيته على الحوار والمناقشة والتحليل، يقول ابن حجر مبرزا بعض فوائد حديث ابن عمر: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم, امتحان العالم أذهان الطلبة بما يخفى مع بيانه إن لم يفهموه، وفيه التحريض على الفهم في العلم، وفيه ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الإفهام, وتصوير المعاني لترسخ في الذهن, ولتحديد الفكر في النظر في حكم الحادثة...».

ومن ذلك ما روي عن عبدالله بن مسعود, قال, قال لي رسول الله ص: «يا عبدالله بن مسعود, قلت لبيك وسعديك ثلاث مرات, قال أتدري أي عرى الإيمان أوثق؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم, قال: الولاية في الله, الحب فيه والبغض فيه».

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي ص قال لـه: «أبا المنذر أي آية معك في كتاب الله أعظم؟ قلت الله ورسوله أعلم، حتى أعادها ثلاثا، فقلت: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فضرب صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر».

هذه صور من صور المساءلة والحوار التي سلكها الرسول ص في تعليم الناس، وغيرها كثير، وهي من المعالم المنهجية النبوية في ولاية التعليم.

- مخاطبته ص مخاطبيه بكلام فصل بيّن رغبة في تيسير الفهم والحفظ عليهم، فكلامه ص أفصح كلام بعد كلام الله وأسهله فهما وحفظا، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ص لا يسرد الكلام كسردكم, ولكن كان إذا تكلم, تكلم بكلام فصل يحفظه من سمعه».

- تعليمه ص بالمحادثة والموازنة العقلية, فقد كان يسلك أحيانا مسلك المحاكمة العقلية على طريقة السؤال والاستجواب, لقلع الباطل من نفس مستحسنه, أو لترسيخ الحق في قلب مستبعده أو مستغربه.

ومما يدل على هذا الأسلوب المنهجي في التربية والتعليم، ما رواه أحمد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: «أن فتى شابا أتى النبي ص فقال: يا رسول الله, ائذن لي بالزنى, فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه مه, فقال ص: ادنه, فدنا منه قريبا فجلس, فقال ص لـه: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك, قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك, قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، وفيه أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟ وكان الشاب يجيبه بنفس الجواب إلى أن قال: «فوضع رسول الله ص يده عليه, وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه, قال: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء».

وعلق أبوغدة على هذا المنهج النبوي في التعليم فقال: «فانظر كيف استأصل النبي ص من نفس الفتى تعلقه بالزنى, عن طريق المحادثة والمحاكمة النفسية والموازنة العقلية, دون أن يذكر لـه الآيات الواردة في تحريم الزنى والوعيد للزاني والزانية نظرا منه أن هذا أقلع للباطل- في ذلك الوقت- من قلب الشاب بحسب تصوره وإدراكه», فاللجوء إلى مخاطبة العقل بالأمور الحساسة المؤثرة في النفس أسلوب تعليمي ومنهج تربوي تقتضيه أحوال المتعلمين أحيانا.

- استعماله ص أسلوب الإشارة مع القول في التعليم، فكان ص أحيانا يشير بيديه وهو يتكلم, توضيحا للمراد, وتنبيها على أهمية ما يذكره للمتعلمين وتفهيمهم إياه، ومن ذلك ما رواه أبوموسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ص: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا, ثم شبك رسول الله بين أصابعه»، وما رواه سهل بن سعد الساعدي عنه ص أنه قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين, وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا»، فكان ص يبتكر الوسائل التي يسهل بها التفهيم والتعليم, ويجدد الأساليب فلم يترك أسلوبا نافعا إلا أعمله، مما يؤكد على سداد رؤيته التربوية ورسوخه المنهجي في التعليم.

- إقباله بوجهه على السائل والمتعلم، حتى يعلمه بذلك أدب التعلم والتعليم، ويرسخ في ذهنه المنهج القويم في تلقين العلم، لأنه ص كان يعد علماء وأساتذة يخلفونه في أداء رسالة التعليم والتبليغ التي بعث من أجلها، فاستطاع بذلك أن يخرج علماء حملوا رسالة العلم والتعليم, ونشروا الخير في أصقاع العالم بعده في وقت وجيز, يقول أبوموسى الأشعري مبينا هذا الأسلوب النبوي في التعليم: «وكان النبي ص جالسا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء».

وجملة القول هاهنا, فإنه من خلال ما سبق، يتبين بجلاء أن المنهج النبوي في التربية والتعليم هو أرقى منهج على الإطلاق في تعليم الإنسان وبنائه، وصياغة فكره وسلوكه وأخلاقه، فهو المنهج المؤيد بالوحي والمسدد به والمستبصر ببصائره, ولذا فهو يمثل الكمال في القوامة المنهجية، حيث إنه استطاع به تخريج قادة من طراز خاص لم يعرف العالم مثلهم في الفهم والرسوخ والصفاء والصدق والجهاد, فحري بمناهج التربية والتعليم في مؤسساتنا اليوم أن تنهل من هذا المنهج النبوي, حتى تعيد للعلم جذوته وللمتعلم تعليمه وصياغته، وللعلماء والمربين مكانتهم، ولولاية التعليم وظيفتها وخصائصها ومقوماتها العلمية والمنهجية والحضارية.

باحث أكاديمي مغربي

      © 2012 . .