إرادة واستعصام بالله 

الشاب العفيف .. على خزائن الأرض 


 
بقلم : محمد مسعد ياقوت

قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} (يوسف: 23-24).  1.jpgهذه محنة يواجهها يوسف \ حيث فتنة النساء، ولـمَّا تلتئم جراح الماضي وما فعله الإخوة الذين كانوا سببًا في استرقاقه. 

هذه محنة يواجهها يوسف "رضي الله عنه" حيث فتنة النساء، ولـمَّا تلتئم جراح الماضي وما فعله الإخوة الذين كانوا سببًا في استرقاقه.
هاهو الآن! في القصر وقد صار له فيه حُكم وعلم، ويزدادُ يوسف حُسنا بعد حسن، ويروح ويغدو أمام ناظري امرأة العزيز، تلك السيدة الثانية في مصر، والتي لها من السلطان والمال والجاه ما لها وقد استجابت لأمر زوجها، بإكرام يوسف، وتوفير المقام الكريم له، ويبدو أنها اعتنت بيوسف اعتناءً عظيمًا حتى وقع في قلبها أيما موقع، وعشقته عشقًا ملك عليها شغاف قلبها، حتى بلغ منها الأمر أنْ غلَّقت عليه الأبواب، ودعته لنفسها صراحةً، وهي تأمره أمر السيد لمملوكه، وهي التي تملكه من شعره إلى أخمص قدميه، ولها عليه من الفضل والكرم ما لها، وقد نشَّأته في رعايتها وحنانها، وأكرمتْ مثواه، وأغدقتْ عليه.
أخذتْ امرأةُ العزيز تعرض نفسها على يوسف، رويدًا رويدًا، وتدعوه برفق ولين أن يواقعها، وطالبته كثيرًا، بشتى ألوان الطلب، ليلبي لها هذه الحاجة، وأرادته أن ينزل عن إرادته لإِرادتها، واحتالت وتمحَّلت له في ذلك، وهو يأبى في كل مرة، وهي سيدته، وهو في بيتها عبدٌ مملوك.
ثم خادعته عن نفسه، بحيث لا يخرج من قبضتها، فأوصدت الأبْوَابَ الكثيرةَ، وأحكمت غلقها بالمغاليق، ولتُشعره بالأمان، وأنه في مأمنٍ.
وَقَالَتْ ليوسف – وقد هيئت نفسها كما تهيء المرأة نفسها للمواقعة بها: هلمَّ إليَّ! لقد هيأت نفسى لك يا يوسف، فها أنا لك، فأقبلْ على ما أدعوك إِليه.
قَالَ: أعوذ بالله أن أفعل هذا، وأعتصم بالله، وألوذ بجنابه، وأستجير بسلطانه، إِنَّهُ زوجك رَبِّي أَحْسَنَ منزلتي، وأكرم مقامي، فلن أخونه في أهله {وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ} {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، ولا ينجحُ الخائنون، الذين ينتهكون الحرمات، ويستحلّون الفروج التي لا تحل لهم،  فإن فعلتُ هذا، أكون إذن من الظالمين، ومعاذ الله أن أقابل الإحسان بالإساءة.
وبذلك كان موقفه \ موقف الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ  "رضي الله عنه"  عَنِ النَّبِيِّ  "صلى الله عليه وسلم"   قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (متفق عليه).
ولاحظْ أن يوسف \ ذكَّر المرأة بثلاثة أمور، علَّها تثوب إلى رشدها:  e4.jpgالأمر الأول: ذكَّرها بالإله الرقيب الذي لا يغيب، فقال: «معاذ الله».
الأمر الثاني: ذكَّرها بزوجها، بقوله: «إنه ربي»، فمن الناس من يستحي من العبد ولا يستحي من الرب. فلو قلتَ له: لا تسرقْ إن صاحب المال يراك، سرعان ما ينزجر، خوفًا من العقوبة العاجلة، بخلاف إنْ قلت له: إن الله يراك، فلربما اضمر التوبةَ بعد الذنب، كما قال إخوة يوسف: «وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ».
الأمر الثالث: ذكَّرها بالسنن الكونية التي لاتحيد، ومن تلك السنن أنه لايُفلح الظالمون، وأن كيد الخائنين دائمًا إلى بوار وخسار.
ومن ثم فإن يوسف \ في هذا الموضع لم يدخر جهدًا في نصح سيدته، ووعظها، وزجرها عن الحرام. إنه \ كان داعيًا ومُعلمًا حتى في هذا الموقف، الذي يغيبُ فيه صواب المرء، وتزل فيه الأقدام. 
ولقد همَّت المرأةُ على مخالطته وملامسته، لما تجده من الشبق والغُلْمَة، ولما تراه أمامها، مِن بشر كالملك الكريم، يروح ويغدو بين يديها، وقد أُوتى يوسفُ شطر الحُسن.
 وَهَمَّ بِهَا يوسف، حيث حدَّث نفسه بها (1)، لولا أن عصمه الله، فأراه آيةً ثبتته، وبرهانًا صانه به، وحُجةً جعلته في مساكٍ من أمر نفسه، فانصرف عنها مسرعًا نحو الباب، مولِّيًا ظهره لها.
فائدة:
ـ حري بالمؤمن دومًا أن يستذكر برهانه إذا ما ادلهمت الخطوب، من آيةٍ بينة، أو حديث زاجر، أو شيخ يُستحى منه.
وصية:
ـ استعصم بالله عند كل فتنة، قل بقلبك: «معاذ الله» عند كل إغراء.

 


هوامش:
1-الهم بالشيء في كلام العرب: حديث المرء نفسه بمواقعته مالم يواقع (زاد المسير (3 / 415).