خالد بن الوليد.. أسوة لأبنائنا الشباب

  أ. د. أمان عبدالمؤمن قحيف

29/11/2012

 كثيرًا ما تتعالى أصوات بعض أبنائنا من الشباب مرددة أسماء بعض النابهين والأذكياء من الغربيين الذين أنجبتهم الحضارة المعاصرة، يعجبون بهم، ويتغنون بإسهاماتهم، ويدرسون مراحل حياتهم، ويمتدحون سلوكياتهم وبطولاتهم وإبداعاتهم.. والحق أنه ليس لدينا ما يمنع من أن يتعلم شبابنا من الآخرين إن كان في ذلك منفعة لهم ولأمتهم، غير أنه من الحري بنا- نحن جيل الآباء- أن نركز على تعريف فلذات أكبادنا من الشباب إلى النماذج الخالدة التي أنجبتها أمتنا وصقلها الإسلام بروحه السمحة وهذبها بتشريعاته الراقية وأحكامه النبيلة، وعلينا الاهتمام بلفت أنظار هؤلاء الشباب إلى عظماء دينهم وحضارتهم قبل أن يستلبهم الفكر الغربي ويسيطر على أفئدتهم بما له من بريق وما فيه من جاذبية.101.jpg

ويطيب لكاتب السطور التحدث هنا عن شخصية فذة لا يتسنى للحضارات تكرارها إلا كل حين من الدهر أو فترة من الزمن إنه خالد بن الوليد بما يمثله من قدوة يمكن لشبابنا الناهض الاحتذاء بها والسير على دربها سيما في مرحلتنا الراهنة التي ندرك مدى حاجة أبنائنا فيها إلى التأسي بهذا النوع من الرجال المخلصين الذين رفعوا راية دينهم وجاهدوا من أجل التأسيس لأمة الإسلام والمسلمين.

ونريد الإشارة إلى نقطة لها أهميتها في هذا السياق، وهي أنه إذا كان الله تبارك وتعالى قد قال في الآية 21 من سورة الأحزاب: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} مؤكدا بذلك أن الرسول [ هو المثل والقدوة لكل من جاء بعده من المسلمين فإن ذلك لا ينفي القول بأهمية التأسي بصحابته - عليه الصلاة والسلام - لأنهم تعلموا من سلوكه وانصهروا في بوتقته، الأمر الذي يجعل التأسي بهم هو في الحقيقة دعوة إلى الالتزام بمنهجه هو شخصيا [.

ونعلم جميعا أن الجندية في الإسلام قد ارتبطت بخالد بن الوليد أكثر من ارتباطها بشخص آخر .. والحق أنه ما كان للجندية في الإسلام أن  ترتبط بأحد إلا بخالد وما كان لخالد أن يرتبط بشيء إلا بالجندية، ذلك لأنه كان نموذجا فريدا في الجندية، وكان مثالا يحتذى لكل جندي أو قائد مسلم جاء من بعده، فهو يحتذى في الطاعة، ويحتذى في الالتزام، ويحتذى في سعة الأفق، ويحتذى في التفكير والدهاء، ويحتذى في قوة الإدراك وحسن البصيرة.. من هنا فهو يعد مثالا يجب أن يحتذيه شبابنا في كل الأوقات والأزمان.

ويقتضي الإنصاف العلمي الإشارة إلى أن المسلمين الأوائل كان فيهم العديد والعديد من القادة والجنود الذين اتصفوا بأفضل الصفات وأروع الخصائص، ونذكر من هؤلاء: حمزة بن عبدالمطلب وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وأبوعبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص... وغيرهم الكثير، لكن تظل شخصية خالد بن الوليد هي الشخصية الأكثر لفتا للانتباه وأكثر جذبا لمن أراد أن يعرف سلوكات وخصائص الجندية في الإسلام.

خصائصه وصفاته

وما كان لنا التحدث عن خالد بن الوليد باعتباره أسوة لأبنائنا الشباب لولا أن توفرت فيه عدة خصائص ومجموعة شروط، نسأل الله تعالى أن تتوفر لدى شبابنا كله في هذا الزمان:

أولا: ذكاؤه الشديد: تؤكد سيرة الرجل أنه تمتع بقدر كبير من الذكاء سمح له بأن يتعامل مع مختلف المواقف والأحداث بصورة سليمة ووعي ملحوظ.. واللافت أنه كان شديد الحرص على توظيف ما متعه الله به من ذكاء وفطنة في تحقيق أهدافه والوصول إلى غاياته ومراميه. فلقد كشفت سيرته الذاتية عن العديد من المواقف التي تبرهن للجميع على تمتعه ] بقدر كبير من الوعي والإدراك السليم، وليس أدل على ذلك من نجاحه البارز في الانتصار في المعارك الحربية التي خاضها - هناك العديد من المصادر التي تذهب إلى أن خالدا لم ينهزم في أية معركة دخلها طوال حياته - واشتبك فيها مع الخصوم والأعداء.. يضاف إلى هذا حسن تصرفه يوم «مؤتة» حيث نجح في أن ينجو بجيش المسلمين من جحافل خصومهم الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة، ولقد أعجب الرسول [ بهذا التصرف كثيرًا، لدرجة أنه كافأه في هذا اليوم بأن أطلق عليه «سيف الله المسلول»، في الوقت الذي كان يهاجمه فيه بعض الناس قائلين: «لقد فر خالد».

ثانيا: إدراكه الشديد لوجوب طاعة من يتحملون مسؤوليات أكبر منه: وليس أدل على ذلك من التزامه الشديد بتنفيذ تعليمات الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عندما أصدر أوامره بتنحيته عن القيادة ونقلها إلى أبي عبيدة بن الجراح، فلم يتذمر خالد، ولم يعارض، ولم يتهم صاحب القرار، لأنه كان شديد الثقة في إخلاص الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان شديد الإيمان بحصافة قائده وسداد رأيه.

من هنا فقد رأيناه يتقبل قرار العزل هادئ النفس مطمئن الفؤاد كما تقبل التكليف بالقيادة في بادئ الأمر من دون افتخار أو مباهاة، فلم يستكبر أو يتعال على غيره من الصحابة الذين لم يكلفهم الرسول [ بأي عمل قيادي.. المهم هنا أنه لم يضق نفسا ولا ذرعا بأمر عزله، وكأني به قد حدثته نفسه بشيء من هذا غير أنه لم يجهر به ولم يعلنه للناس، بل ذهب يتأمل الأمر ويتدبره بينه وبين نفسه حتى تبينت له الحقائق واتضحت له الأمور، فاعترف في مرض موته لأبي الدرداء - فيما ذكره ابن عساكر - أنه أدرك صواب رأي عمر، وأن عمر كان مخلصا لدينه دائما، وكان عادلا دائما، وكان مصيبا، ولم يبتغ غير وجه الله والحق حتى عندما أصدر قرار عزله.

تلك هي الروح التي كانت سائدة بين خالد القائد وبين خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ومن المؤكد أن روحا عظيمة مثلها كانت سائدة بين خالد القائد وبين مرؤوسيه من الجنود الذين كانوا ينفذون أوامره ويحترمون تعليماته.. من هذا المنطلق وجب التعاون في الإسلام بين القادة بعضهم مع بعض، وأيضا وجب على الجنود طاعة رؤسائهم، ذلك لأن الطاعة جزء من الانضباط المطلوب في الحياة العسكرية، ومعلوم أن الانضباط هو أحد الأسس إن لم يكن أهمها على الإطلاق التي تكفل النجاح لكل عمل، عسكري كان أو غير عسكري، ولهذا وجدنا الفكر الإنساني يؤكد ضرورة بل حتمية أن يسود الانضباط مختلف أوجه الحياة الإنسانية بمختلف درجاتها.

والحق أن تقبل خالد بن الوليد لقرار عزله عن القيادة من دون تذمر أو تبرم، ثم امتثاله للعمل في جدية وإخلاص تحت قيادة غيره يكشف لنا عن بعد مهم في شخصيته، ألا وهو أن الرجل كان من الذين يحبون إحسان العمل في أي مهمة يتم تكليفهم بها بغض النظر عن الموقع الوظيفي أو المكانة في السلم القيادي، الأمر الذي يؤكد لنا ولغيرها أنه كان يعمل بإخلاص وتفان من أجل نصرة هذا الدين الحنيف وإعلاء كلمة الله.

ثالثا: كان خالد بن الوليد - يرحمه الله تعالى - يدرك أن ديننا من السمو والرفعة والعظمة، بما يوجب علينا جميعا التضحية بكل غال ونفيس من أجل نصرته والدفاع عنه ضد خصومه والمتطاولين عليه.. وما أحوج إسلامنا الحنيف إلى فتية يؤمنون بهذا المنطق ويستوعبون هذه الرؤية، لا أقول بأن ديننا في حاجة إلى من يزلزل الدنيا حرقا وتدميرًا من أجله، بل هو في أمس الحاجة إلى من يدافع عنه على مختلف الصعد والمستويات بالعقل، والمنطق، والحوار والسلوك الحسن الراشد الذي يلفت نظر الآخرين إليه وإلى تشريعاته الغراء، بما يسمح لنا معشر المسلمين بأن نقول في شمم وتفاخر وعزة: هذا هو الإسلام.

مراعاة مقتضى الحال

إن آلية الدفاع عن الإسلام تتطور - شأنها شأن كل شيء في الحياة - ولابد لنا أن ندرك هذا ونعلمه.. فإذا كانت البشرية تمر الآن بمرحلة العقل والوعي العلمي فإن المنوط بمن يغار على دينه أن يتسلح بالعلم والمعرفة الإنسانية السليمة والواعية لا المعرفة الملوثة بالخرافات والعبثية الفكرية التي لا تسمن من جوع فكري ولا تغني من حرمان معرفي.. ولأن الدين ليس هو الاندفاع في الحكم على الناس، ولأن الشجاعة ليست هي التهور في الحرب من أجل ادعاء البطولة أو تسجيل المواقف الاستعراضية، بل هي القدرة على اتخاذ القرار السليم في كل مناسبة بعد دراسة الظروف والملابسات التي تحيط بكل موقف على حده فقد جاءت أكثر مواقف خالد بن الوليد متسمة بالحكمة والسداد ورجحان العقل والتفكير، وليس أدل على ذلك من قراره بالعودة بجنوده المسلمين يوم مؤتة، على النحو الذي ذكرناه من قبل.. وكذلك موقفه يوم أن جاءت بعض الأخبار إلى النبي [ بأن بني المصطلق قد رفضوا دفع الصدقة وارتدوا عن الإسلام، فذهب خالد إليهم بتكليف من الرسول [ ليستقصي أمرهم فوجدهم على خير وسمع أذانهم وصلاتهم، وأحضرهم إلى الرسول [ وعندها نزل قول الله تعالى {يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات: 6).

إن ما نريد التركيز عليه في هذا الموضوع هو أن الدفاع عن الدين لا يقتضي الاندفاع في إصدار الأحكام والفتاوى التي تجيز مقاتلة الآخرين أو الدخول معهم في نزالات عسكرية، بل إن الدفاع الحقيقي -في نظرنا- هو فهم واستيعاب متطلبات العصر والتعامل الواعي مع ظروفه الحضارية والواقعية، وهذا ليس من الدين ببعيد فـ«مراعاة مقتضى الحال» من القواعد الأساسية التي بنيت عليها منظومة الفقه الإسلامي الخالد تاريخيا وإنسانيا.. مع عدم إغفال المقاومة العسكرية إذا توافرت الشروط التي يعرفها كل من درس نظرية الحرب في الإسلام.

رابعا: لم يقع خالد بن الوليد فريسة للتقليد الأعمى، ولم يقع أسيرا لأفكار السابقين عليه ولو كانوا من أهل بيته أو سلالته العرقية.. فلم يتأس بالوليد بن المغيرة الذي مثل في مرحلة ما الرمز والقدوة للعديد من القرشيين الذين أعجبوا بمواقفه المتشددة من الإسلام وساروا على دربه وانتهجوا نهجه في معارضة دين الله الحنيف، لكن خالدا صاحب العقلية الواعية والذهن المتوقد لم يأخذ أسوته من أناس وقعوا أسرى لأهوائهم ورغباتهم الذاتية والدنيوية، الأمر الذي دفعه لأن يختط لنفسه منهجا إيمانيا يعتمد على التفكير في أمر الدين والوعي بأطروحاته التشريعية ما جعله ينضوي تحت لواء الإسلام ويجتهد في الدفاع عنه ما استطاع إلى ذلك من سبيل.. ولعل تلك هي الروح التي يريدها الإسلام أن تسود بين أبنائنا من الشباب في كل زمان ومكان، روح الفهم والاستيعاب، مع الحماس لأمر ديننا بعقلانية شديدة وأخلاقيات نبيلة تكون شاهدة على عظمته وداعمة لمسيرته التاريخية المتوازنة مع الحضارات كلها منذ ظهوره إلى الآن.

يؤخذ من كل ذلك أن خالد بن الوليد ] امتلك العديد من الصفات والخصائص التي رشحته لأن يطلق عليه النبي [ «سيف الله المسلول».. وتجدر الإشارة إلى أن الرسول [ لم يطلق عليه هذا اللقب، مجاملة له ولا تأليفا لقلبه، ولكنه أطلقه عليه لأنه رأى فيه تقوى الله، والحمية، والإخلاص، والوعي، والاستنارة، وحسن تدبير الأمور، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

والحق أن خالد بن الوليد كان مفطورا على هذه الخصائص، فلم يكتسبها من أحد ولم يتعلمها من معلم، غير أن البدهية تقول بأن خبرة الحياة علمته كيف يوظف مهاراته الفطرية في تدعيم مواقفه العلمية وتصرفاته السلوكية، لذا كان يرحمه الله محل ثقة واحترام الجميع وتقديرهم، ومما لا شك فيه أن الإسلام الحنيف قد هذب بتعليماته الراقية وتشريعاته النبيلة من أخلاقيات خالد بن الوليد ورفاقه، فرقق مشاعرهم، وجعلهم إنسانيين فوق العادة.

وإذا كانت تلكم بعض الخصائص والصفات التي متع الله تعالى بها شخصية خالد ] فإننا قد أردنا أن نضعها أمام أعين أبنائنا من الشباب الذين هم في أمس الحاجة إلى التعرف إلى عظمة أبنائنا وصناع ثقافاتنا وتاريخنا، بدلا من البحث عن قدوة ومثل عليا عند الآخرين الذين تتسع الهوة بين فكرنا وفكرهم، لأنهم أبناء لحضارات مغايرة وثقافات متباينة تماما عن ثقافتنا وبيئتنا.. وكما قلنا ليس لدينا ما يمنع من التأسي بالآخرين والتعلم منهم إذا كان في ذلك مصلحة لنا وتدعيما للتآخي الإنساني الذي قال به الإسلام وأقره كل أهل العلم والدراية من صناع حضارتنا ومنتجي ثقافتنا.