زيد بن حارثة.. حِبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم

 بقلم :  سارة المصري

 الصحابة الكرام.. كالنجوم في فلك النبوة.. قال فيهم رسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم:

«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»

كلما تفكرت بهذه الكلمات أشتد عزة وفخرًا بانتمائي لهذا الدين الحبيب الذي يرخص من أجله كل غال ونفيس.. النفس والمال والولد والأهل.. كبيرة هي هذه المعاني إذا ما تفكرناها ولكن شباب الصحابة عاشوها حرفًا بحرف فكانوا نعم الشباب ونعم الصحابة.  a54.jpg

إذا ما عدنا للخلف إلى الزمن البعيد.. ليوم من أيام الجاهلية.. وقبل أن تشرق أنوار الهداية على العرب ويعم الأمن أرجاء الجزيرة سنرى قصة عجيبة إذ خرجت سعدى بنت ثعلبة في زيارة لقومها وبين يديها ابنها الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره.. وفي الطريق أغارت خيل لبني القين فسبت الطفل زيدًا..

تفطر قلب أسرته من اللوعة والفراق وراح أبوه يجوب البلاد بحثًا عن ولده..

وكان قَدر زيد أن بيع في سوق عكاظ فاشتراه رجل من قريش بأربع مائة درهم ووهبه لعمته خديجة بنت خويلد وكانت أسعد الأقدار إذ تزوج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم  خديجة فأعانته بزيد، وكاد الغم يقتل حارثة ولم يزل يبحث عن فقيده حتى حج إلى البيت ناس من «كلب» ورأوا زيدًا في مكة فعرفهم وعرفوه وأخبروه ما أصاب والده من لوعة وآلام فحملهم رساله حب وشوق وسلام..

وبلغ القوم حارقة الرسالة فشد أبوه إليه الرحال مع أخيه كعب ليلقيا قرة العين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقلب شفوق وبلسان الرحمة خاطبا إمام الرحمة قائلين: يا ابن عبدالله.. يا ابن عبد المطلب.. يا ابن هاشم.. يا ابن سيد قومه.. أنتم أهل الحرم وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير جئناك في ابننا عندك.. فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه قال صلى الله عليه وسلم  «من هو؟» قالوا زيد بن حارثة، فقال «فهل غير ذلك؟» وأشار عليهم بأن يدعوه فيخيروه فإن اختارهم فهو لهم بغير فداء وإن اختاره فلن يختار على من اختاره أحدًا..

ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أتعرف هؤلاء فأجابه بأنهما أباه وعمه

فقال «فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما»

فأجاب زيد بلا تردد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا!! أنت مني بمكان الأب والأم..
فقالا ويحك أتختار العبودية على الحرية..!

فأجابهما باسمًا إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا..

فأي حب وعطف واحتواء ذاك الذي كان يلقاه حتى أبداه على حريته- ولم يكن يعلم بأمر النبوة بعد- وما إن سمع نبي الرحمة الرد إلا أن أخرجه إلى الحجر وقال: «يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني أرثه ويرثني».

 ومنذ ذلك اليوم سمي الشاب المحب بـ «زيد بن محمد».

وماهي إلا سنوات حتى أشرقت أنوار الإسلام وبعث الهادي بشيرًا للأمة فكان زيد أول من آمن به من الموالي..

وواكب أحداث الدعوة عن قرب وزادته الأيام قربًا من حبيب الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح من أحب الناس إليه حتى أطلق عليه المسلمون لقب «حِب رسول الله»

ويخاطب المصطفى زيدًا فيقول «يا زيد أنت مولاي وأحب الناس إلي» ذلك هو الدين العظيم الذي ألغى الفروق بين السيد والمسود يوم أعلن «إن أكرمكم عند الله أتقاكم».
ولما بلغ زيد مبلغ الرجال زوجه النبي صلى الله عليه وسلم مولاته أم أيمن فولدت له أسامة فنال من الحب ما ناله أبوه فسمي الحب بن الحب..

وتمر سنوات ويلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف يمسح عن وجهه الشريف الدم ويصد عنه حجر الثقيف..

ويهاجر زيد مع المهاجرين فيؤاخي النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمه حمزة ابن عبدالمطلب، ويشهد الحب بدرًا حتى إذا كتب الله النصر المبين أرسله النبي مبشرًا بالنصر إلى المدينة وقاتل قتال الأبطال في أحد والخندق وخيبر كذلك..

فلما نزلت الآيات «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» رد زيد إلى اسم أبيه وبطلت عادة التبني في الإسلام ولكنه ظل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن أقرب الناس إليه.

ثم يأتي يوم امتحان الحبيب بفراق حبيبه.. إنه يوم مؤتة..

حيث قتل الحارث بن عمير الأزدي رسول النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك بصرى.. فلما وصل خبر قتل الحارث إلى النبي اشتد عليه الأمر إذ قتل رسوله ظلمًا وعدوانا..

وأعلنت الحرب فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يتجهزوا وقال لهم:

«أمير الناس زيد بن الحارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبدالله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلًا فيجعلوه عليهم».

ويصل الجيش أرض المعركة و فوجئ المسلمون بجيوش جرارة لا قبل لهم بها..
ورفع زيد بن الحارثة اللواء عاليًا واندفع يقاتل ببسالة لا مثيل لها.. كيف لا وقد حمله حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم راية الإسلام..

وانهالت عليه الرماح من كل جانب ولكنه لم يكن يرى أمامه إلا جنات الخلد التي وعد الله عباده.. فقاتل قتال المشتاق إلى الجنة فلم تمض ساعات على بدء القتال حتى سقط الأمير شهيدًا فأخذ جعفر اللواء فقاتل حتى لحق بصاحبه.. وناضل عبدالله بن رواحة أبسل النضال حتى انتهى إلى ما انتهى إليه صاحباه واصطلح الناس على خالد بن الوليد فأنقذهم من الهلاك المحتم..

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان واقفًا على منبره في المدينة في تلك اللحظات الصعبة والناس حوله وقد رفعت له الأرض حتى نظر معترك القوم فأخذ ينقل للناس أحداث المعركة بثًا حيًا مباشرًا وينعي لهم أمراء الجيش الثلاثة وعيناه تذرفان.

ودفن الأمراء في أرض المعركة وعاد الجيش فخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم  لاستقبالهم.

وبكى زيدًا وجعفرًا.. حبه وابن عمه فقال «أخواي ومؤنساي ومحدثاي».

وأتت إليه بنت زيد تجهش بالبكاء فبكى النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتحب فقال له سعد بن عبادة يا رسول الله ما هذا؟

فأجابه هذا شوق الحبيب إلى حبيبه..

ثم قال «استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى»

سنبقى نذكر زيدًا كلما ذكر الحب والشوق..

هنيئًا له بحياة قضاها حبيبًا لرسول الله..

وهنيئًا له بجنة يدخلها وهو يسعى..