مسارات .. خطتها سورة الفاتحة

 

بقلم: أ. مهدي المبروك.

باحث دكتوراه في جامعة ال U.K.M الماليزية قسم الدراسات الاسلامية

8 /10 /2012

     بينت سورة الفاتحة السبل الصحيحة للسير نحو الصراط المستقيم، داعيةً الإنسان المسلم إلى التسلح بأقوى الوسائل الإيمانية التي ترتقي بالفرد للوصول إلى تلك المرحلة.

وأشارت النصوص القرآنية الكريمة إلى الأدب الذي أوحى الله تعالى به إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم المتمثل بذكر اسم الله تعالى عند الابتداء بكافة الأعمال والأقوال، ممثلة على ذلك ببداية كل سورة من القرآن الكريم. a523.jpg

وخص الله تعالى نفسه بصفتي «الرحمن الرحيم» بما تحملانه من معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها، مانعًا من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بصفة الرحمن، مبيحًا أن يتصف أحد من البشر بالرحيم.

وحتى تتم الرحمة بالعالمين علّم الله تعالى البشرية جمعاء أسلوب الشكر والثناء للخالق عز وجل من خلال كلمتين «الحمد لله»، مساويًا بين البشر في ذلك رغم تفاوت قدراتهم على التعبير.

وجاء في الحديث الصحيح أن ملكين عجزا عن تسجيل أجر وثواب من قال: «يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك»، وعند سؤال المولى عز وجل عن مقدار الأجر قال الله تعالى: {اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها}.

وينقسم الحامدون لله تعالى إلى طائفة حمدوه على إنعامه وإكرامه، وأخرى على ما رأوا من عجائب لطائفه، وفرق كبير بين من حمده على الآئه، ومن حمده على غير ذلك.

واتخذ الناس مسارات متعددة في إعطاء الله صفة الوحدانية في العبادة، فمثلًا علل أرسطو فكرته الفلسفية أن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته!.

وادعى الإغريق أن آلهة «الأولمب» في نزواتها وثوراتها تطارد عبادها مطاردة الخصوم والأعداء، وزعمت الأساطير في العهد القديم أن الله تعالى يدبر المكائد لعباده.

وليس أوضح بيانًا للضياع العقائدي الذي وصلت إليه البشرية من الأمثلة التي قالها القرآن الكريم عن اليهود والنصارى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله}.

فحررت الشريعة الإسلامية أمر العقيدة من ادعاء الفلاسفة، مبينةً أن العلاقة بين الخالق والمخلوقات قائمةً على الرحمة والرعاية والطمأنينة والمودة، نافية الأفكار المقصية لصفة الكمال عن الخالق عز وجل.

وتعجب الناس في الماضي من الإيمان «بيوم الجزاء» القيامة ونهاية الكون وما يتعرض له المرء من ثواب أو عقاب، فقال الله تعالى: {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب. أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد}، مع إيمانهم بوجود الخالق عز وجل {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله}.

فعززت الشريعة الإسلامية لدى الإنسان فكرة العقاب والثواب والجزاء الأخروي حتى تستقيم الحياة البشرية ويثق الفرد المحدود العمر أن له حياةً أخرى تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمدًا على العوض الذي يلقاه فيها فكان التحرر البشري من عبودية الأوهام والنظم والأوضاع إلى عبادة الله الواحد والاستعانة به عز وجل.

ولا بد للإنسان أن يقف مع القوى البشرية المهتدية، ويترك القوى الضالة، ويتعرف على قوى الطبيعة مؤمنًا بأنها تسير وفق منهج الله تعالى حاملًا الود والألفة والتجاوب بينه وبين الطبيعة، ولا يصف دمارها «بقهر الطبيعة» كما تطلق عليها الثقافة الرومانية القديمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبل أحد «هذا جبل يحبنا ونحبه».

ويتجه المسلم إلى الله تعالى بالدعاء كي يوفق في إيمانه والاستقامة عليه، وهذا الأمر ثمرة الاعتقاد بأن الله تعالى وحده المعين، وفي ذلك طريق النعمة، لا طريق الذين غضب الله عليهم لمعرفتهم الحق ثم انصرافهم عنه، أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلًا إليه.