كيف ربى الشيخ علي الطنطاوي بناته وحفيداته؟

 

بقلم : أحمد حسن الخميسي

1/10/2012

لقد رزق الشيخ علي الطنطاوي بخمس بنات عكف على تربيتهن حتى غدون مضرب المثل في الصلاح وحسن السيرة وكان يضع أمام ناظريه حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي رواه أبوداود والترمذي عن أبي سعيد الخدري: «من كان له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن، واتقى الله فيهن، فله الجنة»، وفي رواية أبي داود «من عال ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، أو أختين، أو بنتين، فأدبهن، وأحسن إليهن، وزوجهن، فله الجنة»، وقد يسأل سائل: كيف استطاع الشيخ الطنطاوي أن يربي بناته حتى بلغن هذا المستوى الرفيع من الأخلاق الفاضلة؟ a50.jpg

هذا ما سنجيب عنه في هذا المقال، عسى أن يكون ذلك عونًا للآباء والأمهات على تربية بناتهن أحسن تربية.

لقد أدرك الشيخ علي الطنطاوي الخطر المحدق بأمتنا من غزو فكري واجتماعي وثقافي، فرأى أنه إذا لم نستطع أن نوقف هذا الخطر بشكل كامل، فما علينا إلا «أن يحفظ كل أب منا ابنته، وكل زوج زوجته، وكل أخ أخته.

علينا أن نحفظ أنفسنا، وأن نحفظ من استرعانا الله أمره من أهلنا وأولادنا» (1).

 

مفهوم التربية

إن التربية تعني تنمية قدرات الإنسان وإمكاناته، وغرس القيم الفاضلة، واقتلاع السيئ منها.

وقد وعى ذلك الشيخ الطنطاوي، فلخص التربية بقوله: «التربية عندي- كما أفهمها- هي غرس العادات الحسنة» (2).

ومضى في حياته يغرس في بناته وحفيداته كل ما هو جميل وحسن وصالح، واتبع العديد من الطرق: كالإقناع، والتدريب، والتوجيه المباشر، ومعالجة المشكلات، والثواب والعقاب.

  

الإقناع

قنع بالشيء: رضي به وقبله، والإقناع هو أن نجعل الشخص يرضى بالأمر، ويقبل به دون إكراه أو إجبار (3).

 ومن قنع بالشيء واطمأن به، فمن الصعب أن يتراجع عنه أو يتركه.

ولذلك لجأ الشيخ علي إلى الإقناع في التربية، ففي مسألة الحجاب مثلًا  لجأ إلى تحبيب الحجاب إلى بناته، ولم يكرههن عليه، وقد شرح لنا طريقته هذه فقال: كيف أعمل على تعليم بناتي الحجاب؟

أنا لا أريد أن أجبر بنتي عليه إجبارًا، بل أن تتخذه مقتنعة به، مطمئنة إليه ، محبة له.

لما جاوزت بنتي الأولى التاسعة، ومشت في طريق العاشرة، فكرت وطلبت العون من الله فقلت لأمها: اذهبي واشتري لها خمارًا «إشاربًا» غاليًا نفيسًا.

وكان الخمار العادي يباع بليرتين اثنتين، وإن ارتفع فثلاث، فقالت: إنها صغيرة، تسخر منها رفيقاتها إن غطت شعرها، ويهزأن منها.

قلت: لقد قدرت هذا وفكرت فيه، فاشتري لها أغلى خمار تجدينه في السوق مهما بلغ ثمنه، فكلمتني في الهاتف من السوق، وقالت: لقد وجدت خمارًا نفيسًا جدًّا من الحرير الخالص، ولكن ثمنه أربعون ليرة، وكان هذا المبلغ يعد- يومئذ- أكثر من ثلث راتبي في الشهر كله، فقلت لها: اشتريه، فتعجبت، وحاولت أن تثنيني عن شرائه، فأصررت، فلما جاءت به ولبسته البنت، وذهبت به إلى المدرسة، كان إعجاب التلميذات به أكثر من إعجابهن منها بارتدائه، وجعلن يثنين عليه، وقد حسدها أكثرهن على امتلاكه، فاقترن اتخاذها الحجاب وهي صغيرة بهذا الإعجاب، وهذا الذي رأته من الرفيقات، وذهب بعضن في اليوم التالي، واشترين ما يقدرن عليه من أمثاله.

إن ابنتي بدأت اتخاذ الحجاب وهي فخورة به، محبة له، لم تكره عليه، ولم تلبسه جبرًا، وإذا كان العامة يقولون: «الشيء الغالي ثمنه فيه» فإن هذا الخمار بقي على بهائه وعلى جودته حتى لبسه بعدها بعض أخواتها، وهو لا يزال جديدًا، فنشأن جميعًا- بحمد الله- متمسكات بالحجاب تمسك اقتناع به وحرص عليه (4).

وإذا كان الشيخ في عمله هذا قد لجأ إلى الإقناع غير المباشر، فهو أحيانًا كان يلجأ إلى الإقناع المباشر عن طريق الإرشاد وتوضيح المهمات والواجبات عن طريق الحوار والمناقشة.

فقد اجتمع الشيخ الطنطاوي مع بناته وأصهاره في دار كبيرة في عمان ذات صيف، وانصرف الأحفاد الصغار إلى اللعب أو قراءة كتاب أو مجلة، فإذا ما طُلب منهم تأدية بعض الواجبات يتذمرون ويتهربون، فأرسل لهم جدهم ليلتقي بهم، فتسارعوا فرحين بهذا اللقاء، وجلسوا أمام جدهم الحبيب.

قال لهم: تعالوا نناقش معًا هذا الموضوع بعقل ومنطق، وراح يبرهن لهم بالأدلة أنه من الواجب على البنت أن تساعد أهلها في بعض الأعمال، واعتبر أن العمل مهما كان نوعه، يبقى نوعًا من أنواع الرياضة، وهذه الرياضة مفيدة من وجهين، فهي تحرك عضلات الجسم، وتخفف العبء عن أمهاتنا، فننال رضاهن، ويرضى الله عنا بمساعدتنا لهن.

وبعد أن ناقشهن في عدة نقاط، وانتهى الاجتماع.

قالت «عابدة» حفيدة الشيخ: أتدرون ماذا كانت نتيجة المؤتمر؟ لقد خرجنا من غرفة جدي بغير النفسية التي دخلنا بها، كنا كارهين للعمل، فصرنا راضين، وكنا مستثقلين، فصرنا له متقبلين.

وكان مفتاح هذا الحل الأسلوب السحري الذي استخدمه جدي: أشعرنا بأهميتنا وخاطبنا بخطاب الكبار، وكل صغير لا يزال يتمنى أن يكون كبيرًا أو يعامل معاملة الكبير.

وحملنا على الاقتناع بما نكلف بأدائه بدلًا من إكراهنا عليه، والاقتناع بالعمل، يجعل الصعب سهلًا والعسير يسيرًا (5).

 

التربية بالقدوة والتطبيق

اتبع الشيخ علي الطنطاوي طريقة التطبيق العملي في تربية بناته وحفيداته، فكان إذا أراد أن يربيهن على أمور حميدة، يدعوهن إلى ذلك، وينفذ أمامهن ما يريده منهن امتثاله، فيقلدنه، ويقتدين به حتى يتعلمن العمل الصحيح الصالح، وهذا منهاج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يدعو الناس للاقتداء به فيقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، كما أنه (صلى الله عليه وسلم) ذهب مع المسلمين إلى الحج وحج معهم، وقال لهم: «خذوا عني مناسككم».

يقول الشيخ علي الطنطاوي عن طريقته هذه: فمن تجاربي أنني كنت أحاول تصحيح عادات بناتي من الصغر، فكان الأهل يعجبون مني حين أقول للطفلة التي لم تكمل الأربع: لا تفتحي فمك عند المضغ، وأحرك فكي أمامها كأنني آكل وفمي مغلق، أو آكل أمامها فعلًا من غير أن أفتح فمي، أعلمها بالقول والفعل.

وأعلم البنت كيف تغسل يدها بالصابونة، فما كانت تعرف كيف تمسكها، وكلما أمسكت بها أفلتت منها، فقلت لها أمسكيها باليمين، وحركي أصابعك قليلًا، ثم أنقليها إلى الشمال فحركي أصابعك وكرري ذلك، فتعلمت كيف تغسل يدها بالصابون (6).

وكذلك علمها كيف تستعمل الفرشاة في تنظيف أسنانها، وكيف تستعمل الملعقة والشوكة.

وكان قبل ذلك ومعه يعتني بغرس بذور الإيمان في قلب طفلته، وله تجربة في ذلك، كان يذكرها في أحاديثه في الرأي والإذاعة.

 

الثقة بالنفس وتنمية الشخصية

التربية تتطلب أن نتدرج مع أبنائنا منذ الصغر، فندربهم على الأعمال الصغيرة والبسيطة، ثم على الأعمال الأكبر والأكثر تعقيدًا، ثم نشجعهم على القيام بها بمفردهم، لتزداد ثقتهم بأنفسهم، وتصبح لهم قدرة على القيام بالمهام والواجبات دون مساعدة الكبار، وبذلك تنمو شخصياتهم.

يقول الشيخ علي الطنطاوي- رحمه الله: لقد بكرت في تعليم الأولاد حمل التبعات، فلما كانت بنتي الأولى تدرج (أي تتعلم المشي ولا تحسنه) وكنا نأكل في صحن الدار، أخذت طبقًا فيه بقية طعام، وقلت لها: لقد صرت كبيرة فاحملي هذا إلى المطبخ.

فصاحوا جميعًا: إنها تكسره، فقلت: إنها كبيرة، ووضعته في يدها، ووضعت الثقة في نفسها، فحملته ومشت وعيني عليها، وكنت متأهبًا حتى إذا رأيتها مالت إلى السقوط، وثبت فأمسكت بها (7)، والشيخ الطنطاوي لا يفعل ذلك مع بناته فقط، بل ربى حفيداته بالطريقة نفسها، فكان يكلفهن بالعمل الذي ينمي شخصياتهن ويقويها ويصقلها، وكان يضفي على طريقته جوًّا من المرح يتحول به العمل الصعب سهلًا والعسير يسيرًا، تقول حفيدته «عابدة»: كنت صغيرة جدًّا عندما ناداني جدي وطلب مني أن أصنع له قهوة، وعندما قلت له: لا أعرف، هوّن الأمر عليّ وقال: إنها مهمة سهلة جدًّا، تتألف من عدة خطوات، ثم أمسك يدي وبدأ يعدد على أصابعي:

أولًا: أحضري دلة القهوة. ثانيًا: ضعي فيها ملعقة بن. ثالثًا: ملعقة سكر. رابعًا: قدر فنجان من الماء. ثم ضعيها على النار حتى تغلي، وتغلي، وتغلي... وراح يكرر هذه الكلمات عدة مرات، ثم قال: حتى تغلي ستًا وسبعين فورة، وذهبت أصنع ما طلب مني، وكدت أبدأ بالعد فعلًا، بعد أن نبهتني أمي إلى أنه يمازحني، وأن القهوة لو غلت كثيرًا لاختل طعمها.

هذا مثال واحد من أعمال البيت.. وكان يدفع أحفاده الصغار للإمامة في الصلاة وهم حديثو عهد بالبلوغ مرة بعد مرة، حتى يشب أحدهم، وقد اعتاد الإمامة وأتقنها (8).

 

معالجة المشكلات

بعض الأطفال يعاني من الخوف من أشياء متعددة، فقد يخاف من الظلام، وقد يخاف من حشرات صغيرة ... الخ.

وفي معظم الأحيان يكون الباعث لخوفه وهميًّا، فما على المربي إلا أن يفهم الطفل ماهية ما يخاف منه، ويدربه على رؤيته أو اقتحامه حتى يزول هذا الخوف، ويقتنع أن ما كان يحس به، إن هو إلا وهم كاذب.. وهذا ما فعله الأب المربي الشيخ علي الطنطاوي، وقد حدثنا عن ذلك بقوله: ومن تجاربي مع بناتي أن إحداهن كانت تخشى الخروج إلى الحديقة ليلًا، وكنا نسكن في سفح قاسيون.. كنا نسكن في دار لها حديقة، فإذا حل الظلام خافت البنت أن تخرج إليها، فأعطيتها مرة كشافًا كهربائيًّا، وخرجت بها إلى الحديقة وهي ممسكة بيدي، وبيدها الأخرى الكشاف، فلما توسطنا الحديقة قلت لها: أضيئي نور الكشاف، فأضاءت، وقلت لها: ألا ترين؟ هذه الشجرة التي كنا نراها في النهار، وهذه هي البركة الصغيرة، ما تغيّر شيء، كل شيء في مكانه، فلماذا تخافين الخروج؟ ألا تخرجين في النهار؟ قالت: نعم، قلت: ما الذي تغير؟ الخوف إن كان له سبب معقول كان طبيعيًّا، فمن كان له طفل يخاف من الظلام وأمثاله، فدواؤه: أنه يهجم به على ما يخاف منه، فإذا اطمأن إليه زال خوفه.. (9).

 

التوجيه المباشر

كان الشيخ علي الطنطاوي- رحمه الله- متحدثًا بارعًا، يعرف كيف يصوغ الكلمات الطيبة التي تدخل إلى القلوب من دون استئذان، وخاصة إذا ما أراد أن ينصح بناته أو أحفاده، ويتبع الأسلوب المباشر في التوجيه، فقد اعتاد أن يجمع بناته أو حفيداته في بعض الأحيان، ويوجه لهن النصائح، وهن ينصتن، ثم يسمع منهن الأسئلة ويناقشهن في بعض الأمور، وكان حريصًا على إدخال مفاهيم البر والطاعة وعدم عقوق الأمهات بكل الوسائل، فتارة يروي لهن الأحاديث الشريفة، وأخرى يقص عليهن بأسلوبه الشائق بعض قصص الصحابة مع أمهاتهم، وتارة يحذرهن غضب الله، إن عَصَيْنَ في الدنيا والٌآخرة، ويرغبهن بثواب الله إن أطعن والأجر في الدنيا قبل الآخرة، وقد اتبع الأسلوب المباشر في رسالته «يا بنتي» التي كتبها لكل بنت من البنات تريد العفاف والستر، وجه فيها نصائح مباشرة لهن حول العلاقة بالشباب، وبين فيها الآثار الضارة للاختلاط، وتحدث عن الحجاب والسفور، وكشف عن زيف الادعاءات الباطلة التي تغزونا من الغرب.

إن القيم والمعاني التي قدمها مستقاة من تعاليم الإسلام الحنيف (10).

وبالإضافة للأسلوب المباشر كان يستعمل الأسلوب غير المناسب على شكل نصيحة مبطنة أثناء الحديث المسلي الماتع الذي يسرده في توجيه البنات وتربيتهن أو أثناء كلامه الموجه إلى إحدى أمهات البنات، فتتفاعل معه وتوصل النصحية إلى بناتها.

 

الثواب والعقاب

الثواب والعقاب وسيلتان تؤتيان نتائج طيبة، إن أحسن المربي تأديتهما أو تقديمهما بحكمة.

وإن في الثواب ترغيب بكل ما هو جميل وصالح وفي العقاب ترهيب من كل قبيح وفاسد، وقد أثير الحديث عنهما في عصرنا الحاضر كثيرًا.

وسنجد عند المربي الفاضل صورًا إيجابية راقية فيما كان يفعله مع بناته وحفيداته.

ففي الثواب لجأ إلى المكافأة المادية والثناء الحسن، فهو أحيانًا يقدم في الوقت المناسب ألعابًا وأشياء نفيسة أو قطعًا نقدية أو شهادة ثناء وتقدير.

قالت حفيدته عابدة: كانت لجدي خزانة خاصة، يضع فيها مجموعة من الهدايا النفيسة التي لا يطلع عليها غيره، يقدمها في الوقت المناسب مكافأة لمن يستحقها أو تشجيعًا أو تحفيزًا لمن يظن أنه يحتاج إلى التشجيع والتحفيز.

وكان يحتفظ- في خزانته تلك- بكمية كبيرة من الأوراق النقدية الجديدة، يأتي بها من المصرف جديدة ونظيفة متسلسلة الأرقام متعددة الفئات (آحادًا أو خمسات أو عشرات) فيقدم منها بين وقت وآخر ورقة أو أكثر لهذا أو ذاك مكافأة على عمل حسن أو احتفاء بإنجاز متميز، وكنا صغارًا نفرح بهذه الأوراق النقدية الجديدة أيما فرح، ونتنافس في حفظها والاستزادة منها، ويكون هذا التنافس باعثًا لمزيد من الاجتهاد والسلوك الجيد والعمل المحمود.

أما الإبداع المتميز في التشجيع والمكافأة والثناء، فقد ظهر في ابتكار جدي لشهادات التقدير، فقد كان يخط لنا ببعض الخطوط العربية الجميلة شهادات كتلك التي تقدمها المدارس والمعاهد والجامعات تذكيرًا أو تقديرًا لإنجاز متميز، قام به واحد من الأحفاد الصغار.

ولم يكن جدي يبالغ في منح هذه الشهادات بكل المناسبات، بل كان يتخير ما يظنه مناسبة مهمة أو إنجازًا متميزًا.

أما العقاب فيجب أن يكون حكيمًا، يقع في الوقت الملائم وبالطريقة الصحيحة، عندها يعطي نتائج جيدة، يغني عن العديد من العقوبات.

وعلى العواطف ألا تتدخل كي لا يتراجع المربي، ويفسد أثر العقوبة.

ولا يعني العقاب استعمال الضرب، بل هناك وسائل كثيرة غيره، وهي ما كان الشيخ يلجأ إليها.

فقد استأجر الشيخ - رحمه الله- منزلًا كبيرًا في منطقة ريفية هادئة في أحد مصايف الأردن، ليضم شمل جميع أفراد عائلته المتفرقين في البلاد، وكان أحفاده وحفيداته يتفرقون حول المنزل في الحدائق والبساتين الواسعة يلعبون، فتتسخ ثيايهم، ثم يعودون، وقد غطت الأتربة ثيابهم وعليها بقع العنب، وآثار الفاكهة، فتغسل أمهاتنا الثياب على أيديهن لأن الكهرباء قد انقطعت عدة أيام عن المنزل، وفي الصباح يجد كل حفيد ثيابه نظيفه، وكانت أمهاتنا توصينا بالنظافة، وأثناء اللعب ننسى الوصايا، فنعود مساء وقد اتسخت ملابسنا.

ماذا تفعل الأمهات؟ هل تكرر الأم التنبيه؟ توبخ بشدة.. تضرب.. تمنع طفلتها من اللعب خارج المنزل، ولكن ذلك لا يفيد، فماذا فعل الجد- رحمه الله.

لقد عالج الموضوع بطريقته الخاصة بأسلوب مبتكر، فقد استعمل العقاب مرة واحدة فقط بحزم وبصورة توحي بالقسوة، ولكنه كان العقاب الرادع الذي جعلنا نحافظ على ملابسنا، ومنعنا من أن نكون أنانيين لا نفكر إلا بأنفسنا وسعادتنا ومتعتنا، ناسين حق أمهاتنا..

عدنا مرة من اللعب في الحقول منهكين نحلم بالراحة والنوم العاجل في الفراش، فألزم جدي كل واحد منا أن يغسل ملابسه وينظفها قبل أن ينام، كما كانت تفعل أمه تمامًا، اعتذرنا ورجونا جدي أن يعفينا من تلك المهمة، ويسمح لنا بالنوم، لكنه رفض اعتذارنا وأصر على تنفيذ الأمر.. فامتثلنا راغبين..

تعبنا يومها كثيرًا، وتجرحت أيادينا الصغيرة الناعمة، وأخذ منا الغسيل وقتًا وجهدًا كبيرًا وأنهكنا النعاس «حتى أشفقت علينا أمهاتنا، فرجون جدي أن يعفو عنا ويسمح لنا بالنوم، وهو مصمم على المضي في العقاب»، لكن العلاج كان شافيًا وحاسمًا، فلم نعد لمثل ذلك السلوك من بعد أبدًا طوال الصيف، وصرنا من يومنا أكثر تقديرًا لتعب أمهاتنا وحرصًا على أن نجنبهن الجهد والعناء.

ربما كان جدي قاسيًا في تلك الليلة، ولكن أتظنون أننا كنا سنقوم سلوكنا ونتخلى عن أنانيتنا وأثرتنا بغير ذلك الألم وبدون تلك المعاناة؟ (11)

هذه الوسائل والطرق التي اتبعها الشيخ علي الطنطاوي في التربية آتت أكلها، وأثمرت بنات وحفيدات مؤمنات بالله موحدات عابدات صائمات ذاكرات لله تعالى، يدافعن عن الإسلام بالحجة والموعظة الحسنة، ويتقين  الله ما استطعن إلى ذلك سبيلًا.

نسأل الله تعالى أن يرحم شيخنا ويجزل مثوبته في الآخرة، إنه أكرم مسؤول وخير مأمول.

 

المراجع

1- فصول اجتماعية، علي الطنطاوي، جمع وترتيب حفيده مجاهد مأمون ديرانية، دار المنارة للنشر والتوزيع، جدة- المملكة العربية السعودية- ط1 1423هـ- 2002م- ص 146.

2- المرجع نفسه ص 148.

3- المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم- 1988م.

4- فصول اجتماعية، مرجع سابق ص 146- 147.

5- هكذا رباني جدي علي الطنطاوي، عابدة المؤيد العظم- دار المنارة- جدة- المملكة العربية السعودية- ط2- 1421هـ -2000م- ص 69.

6- فصول اجتماعية- مرجع سابق- ص 148.

7- المرجع نفسه- ص 151.

8- هكذا رباني جدي علي الطنطاوي- مرجع سابق- ص 90.

9- فصول اجتماعية، مرجع سابق- ص 154.

10- يا بنتي- علي الطنطاوي. دار المنارة جدة- المملكة العربية السعودية- ط 5.

11- هكذا رباني جدي، مرجع سابق- ص 66- 67.