الفيلم المسيء وإفلاس الغرب

 بقلم :  د.مسعود صبري

 24/9/2012

 ليست هذه هي المرة الأولى التي يساء فيها إلى نبي الإسلام ورحمة الله للأنام محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، فقد أضحت الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شبه عادة غربية، ولكن الجديد اليوم هو أن من يقوم بالإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم جماعة من بعض أقباط المهجر، وهم- مع أنهم نصارى- ينتمون إلى الحضارة الإسلامية كهوية وليست كدين، بحكم نشأتهم في بلاد المسلمين. a40.jpg

وإنتاج فيلم يسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، أو التعبير بأي شكل من الأشكال، لا يعد إساءة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، فمقامه صلى الله عليه وسلم محفوظ، بقدر ما هو طعن في دين النصارى.

ولنا مع هذا الحادث وقفات.

الوقفة الأولى:

صاحب الإيمان والعقيدة حين يريد أن يدعو أحدًا إلى عقيدته، يبين لمن يدعوه محاسن هذا الدين عن غيره، وما فيه من أمور إيجابية؛ حتى يقنع المدعو إلى اعتناق دينه، ولكن بعض النصارى لا يتبعون هذه الطريقة، بل غالب طرقهم إما التشكيك في الإسلام، وطرح الشبهات التي بها يحاولون زحزحة عقيدة المسلم، أو من خلال الإغراء المادي، بدفع الأموال، وكل ذلك نوع من الإفلاس العقدي، ودليل على أنه ليس في دين النصارى شيء يدفع المسلم لترك الإسلام من أجله، لكنه الإصرار على محاولة ترك المسلمين دينهم، كما قال ربنا: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (البقرة: 120).

الوقفة الثانية: الحقد الدفين

ومن دوافع ما نراه من الإساءة الحقد الدفين الذي يحرك متطرفي النصارى تجاه الإسلام والمسلمين والنبي والقرآن، فهم يحقدون على المسلمين في قلوبهم، ورغم أن تعداد النصارى في العالم أكثر من تعداد المسلمين، ورغم أن دين النصارى من أساسه دين خاص ببني إسرائيل، ودين الإسلام دين خاتم عالمي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت للناس عامة»، ورغم أن التنصير يخالف عقيدة النصارى، فإن وراء ما يحصل حقدًا دفينًا، لأسباب كثيرة، لعل منها علمهم أن ما عليه المسلمون هو الحق، وكذلك ما يرونه من انتشار للإسلام في العالم، ودخول عدد من النصارى الإسلام طواعية دون إكراه، ودون ابتزاز، أو يفعلون ذلك لمرض في قلوب كثير منهم.. وإن لم يخل النصارى من أناس عافاهم الله تعالى من هذا البلاء، فهم يتعاملون مع المسلمين كجيران في السكن والعمل، لكنهم بالنسبة للحاقدين قلة، ونحن نؤمن أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كما قال ربنا سبحانه : {لَيْسُوا سَوَاءً } (آل عمران: 113).

 

الوقفة الثالثة: تحريف النصرانية وسلامة الإسلام

إن محاولات الإساءة المتكررة من المسحيين في الغرب، و مسيحيي المهجر الشرقيين لتدل دلالة واضحة على عظمة الإسلام، وتحريف ما جاء به المسيح عليه السلام من تعاليم السماء.

 ففرق بين الإسلام الذي يرى أن سب المسيح عليه السلام مخرج عن الملة، فمن سب المسيح لا يعد مسلما.. والإسلام يوجب الإيمان بالمسيح، وبين عقيدة النصارى المزيفة، فهي ترى وجوب الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فرق بين الإسلام الذي يوجب على أتباعه أن يؤمنوا بالكتاب المقدس من كونه كتابًا منزلا من عند الله قبل تحريفه، وبين عقيدة النصارى التي تدرس لأبنائها في المدارس الكنسية أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن، فهو- حسب زعمهم- ليس كتابًا سماويًّا.

 فرق بين دين يوجب على أتباعه أن يؤمنوا بكل أنبياء الله تعالى، كما قال سبحانه: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة : 136)، وبين دين يتحيز لأنبياء شعبه، بينما يكفر بباقي الأنبياء!!

 فرق بين كتاب حوى أصول الخير والتوحيد والدعوة، وبين كتاب يرى أن الله ثالث ثلاثة!!

فرق بين كتاب لا يستحيي المسلم أن يقرأ أي آية فيه على الملأ، وبين كتاب حرف حتى أضحى فيه آيات تخدش الحياء، تتلى على أنها كلمات الرب، كما في قصة ابنتي نبي الله لوط عليه السلام .

فرق بين كتاب يدل على طرق النبوة، وأنها من عند الله، وبين كتاب يرى أن نبيًّا سرق النبوة من أخيه، وقد سلمها له أبوه النبي خطأ، لأنه ضرير!!

إن الأولى بالنصارى أن يدعوا المسيحيين في الشرق والغرب بالالتزام بتعاليم المسيح عليه السلام، لا تعاليم «بولس» ولينشغلوا بعزوف الملايين عن الذهاب إلى الكنائس، واعتبار المسيحية دينًا موروثًا عند طوائف كثيرة، لكن لا تأثير له في حياتهم، فالانشغال بتدين المسيحيين أولى ألف مرة من الطعن في الإسلام.

وقد وضع لنا الإسلام قواعد التعامل السلمي الراقي مع أهل الكتاب، فيكون الإحسان إلى أهل الكتاب من الإيمان، إلا أن يعادونا ويحاربونا، كما قال سبحانه: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة: 8 - 9).