يا شباب: انظروا مَن تصاحبون؟!

 16-9-2012

د. ناصر أحمد سنه- كاتب وأكاديمي.

 يومً بعد يوم تحمل إلينا الأيام،  .jpg  ومجريات الأحداث ما يبين أن لـ«عقد الصحبة الفريد» أثره الإيجابي والسلبي، ليس فقط في واقع هذه الحياة الدنيا، بل يتعداه إلي «المصير الأخروي» يوم القيامة، مما يجعل هذا «العقد» من «العقود المصيرية»، يقول الله تعالي:{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يالَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} (الفرقان:27-29).
 أيها الشباب: علاقات الصحبة التي تتكون على غير هدي من الدين ستكون نتائجها رهيبة في الآخرة، وسيقف من كانوا يجتمعون في الدنياـ كأصدقاء سوءـ على مواقع الضلال والعبث والفساد والفسوق والانحراف الخ.. أمام مصير محتوم لِيُحّمل كل واحد الآخر المسؤولية عما آلت إليه هذه العلاقة {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، يا عباد لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}(الزخرف: 67-68). خلة انقلبت إلى عداوة.. عدوً كان في ثوب صديق، وضحكات انقلبت إلى آهات، وأفراح تبدلت إلى أتراح. أما المتقون المتعاونون على البر والتقوى، المتواصون بالحق والصبر، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون على فوات أي شيء من «لهو» هذه الدنيا الفانية.. فلقد بقي «عقد» خلتهم الإيماني النقي الصافي موصولًا بين الدنيا والآخرة.
وفي نطاق الاستكبار والاستضعاف.. هنالك تتبدى حسرة وندامة هذه العلاقة، وعلاقة كل مَن يتبع غيره اتباعًا أعمى، فيسير على غير هدى من الشرع والقيم والأخلاق والمعاملات: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ}(البقرة:166-167).

يا شباب: إن عظم ذلك الأثر ونتائج تلك العلاقات تلح على مداومة التأكيد على حسن اختيار الأصحاب والأصدقاء والأخلاء، والوعي بأدب وحقوق الصحبة والصداقة والخلة.

 قال الإمام الغزالي: «إذا طلبت رفيقًا ليكون شريكك في التعلم وصاحبك في أمر دينك ودنياك فليكن فيه شرط خمس لا يصلح إلا بها. الأولى: العقل، فلا خير في صحبة الأحمق الذي يسوق إلى الوحشة والقطيعة وتضر مصاحبته من حيث يريد نفعك، لذا فعدو عاقل خير من صديق أحمق جاهل. الثانية: حسن الخلق، فلا تصحب من ساء خلقه، ولا يملك نفسه عند الشدة والشبهة والشهوة. الثالثة: الصلاح، فلا تصحب فاسقًا، فمن لا يخاف الله تعالى لا تؤمن غوائله، وهو يتغير بتغير الأعراض والأحوال، ومداومة مشاهدة الفسوق والمعصية تزيل عن القلب كراهيتها، وتهون عليه أمرها. الرابعة: لا تصحب حريصًا، فصحبته على الدنيا سم قاتل. الخامسة: الصدق، فلا تصحب كذابًا، فإنك منه في غرور، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد، ويبعد عنك القريب».

ويضرب لنا القرآن الكريم أنموذجًا رائعًا لعلاقة «الصحبة الإيمانية»، وحسن الاختيار الذي جمع بين الفتية «أصحاب الكهف»، لقد كانت آية.. آية رحمة ورشد وإيمان وهدى، وأنموذجًا خالدًا:{أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}(الكهف:9ـ13).
أي شباب: متى قامت بين المسلم وأخيه صحبة فلها آداب وحقوق يوجبها «عقد الصحبة، وميثاقها المصيري»، وعندما تتسق دائرة الإيمان مع دائرة الصداقة تتغلف هذه العلاقة بسياج يميزها في سماتها عن باقي العلاقات الاجتماعية والإنسانية، فهي تحمي هذه الصحبة وتصونها، وتزيدها قوة ومنعة ومتانة.
 ففي ظل الخلة الإيمانية يعيش المسلم وهو يعلم ويوقن أن غايته الكبرى لا ينالها إلا بالحب في الله تعالى.. سبيل مؤدي لدخول الجنة، والتظلل بظل الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله، قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» (رواه مسلم)، «.. ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه..» (متفق عليه من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله)، فبإفشاء السلام والتواد والتكافل بين المؤمنين يتحقق التماسك والاستقرار الاجتماعي الحقيقي: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه). كما أننا عندما: «تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير، نُعفي أنفسنا من مشقات كثيرة، فلن نحتاج لتملق إنسان، فالصدق كائن، ولن يخلو إنسان من مزية، ولن نضيق بالمخطئين فالعطف والشفقة والنصيحة تشملهم».

ومن حق الصاحب على صاحبه: يبدأه بالتحية عند إقباله، مع دعوته بأحب أسمائه، ويوسع له في المجلس، ويخرج له من مكانه، ويشيعه عند قيامه، ويصمت عند كلامه، ويترك المداخلة فيه، ويُحسن الإصغاء لحديثه حتى يفرغ من خطابه، ويشكره في وجهه على صنيعه، ولا يكلفه من أشغاله، ويروح عن قلبه من همومه وأحزانه، ويستر عيوبه ويكتم أسراره، وعدم التشهير بما قد يذمه الناس به، ويثني عليه بما يعرفه من محاسنه وخصاله الحميدة، ويعفو عن زلاته وهفواته فلا يعتب عليه، ويسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده وعن قدح غيره فيه، الدعاء له بظهر الغيب في حياته، كما الثناء عليه والإحسان لأقاربه بعد مماته، ويذب عنه وعن عرضه في غيبته كما يذب عن نفسه، وينصحه باللطف والتعريض إذا احتاج إليه، وترك المماراة فيه، وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه، فإخفاء ذلك عنه من الحسد، والإعانة بالنفس مبادرة في أوقات الشدة والضيق، والسعي لقضاء حوائجه، وتفريج كرباته، ومشاركته أتراحه وأفراحه، والإيثار بالمال فإن لم يتسن ذلك فبذل الفضل منه عند الحاجة، ويضمر له مثل ما يظهر فيكون صادقًا في وده سرًا وعلانية.

 

إن أخاك الحق من كان معك

ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا رأيت الزمان صدعك

شتت فيه شمله ليجمعك

وعمليًا يفرض الإسلام على المسلم أن ينفتح على أخيه المؤمن ليحمل همّه وليفرّج كربه، وليقضي حاجته، ويعينه في جميع أموره، ويحفظه في نفسه وماله وعرضه، تنفيذًا لما أخبر به رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عندما قال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (صحيح البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنها، برقم:2262). وفي أعرافنا الاجتماعية: «الصديق عند الضيق»، و «في الأسفار تعرف الإخوان»، و«الصاحب ساحب».

ومن روائع الوصايا في هذا الشأن: «يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك.. اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتدأك، وإن نزلت بك نازلة واساك،.. اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرًا آمرك، وإن تنازعتما آثرك» (راجع: جمال الدين القاسمي الدمشقي: «جوامع الآداب»، إعداد خليل إبراهيم علي، 1984م).

ومن آداب الصحبة أن ترفض صداقة من اشتهر بالبخل والنميمة والتكبر والسفه والخفة والطيش وعدم حفظ السر وحب الهذر والهذيان والتهتك والخلاعة والكسل، ولا يقبل في التآخي من أصيب بخلل في عقله، أو شذوذ في أفكاره.

صفوة القول أيها الشباب: «الإنسان كائن اجتماعي»، والصحبة والصداقة هي نوع من أنواع «الوحدة الشعورية» بين الناس. ولقد كانت تلك بعض الخطوط التربوية والنفسية والاجتماعية التي من خلالها يتبين كيف يكون التأثر والتأثير والأثرـ الدنيوي والأخروي ـ لهذه العلاقة التي تربط المرء بأخيه أيًّا كان نوعه، فالطبع يسرق من الطبع.. لذا فعلى المسلم أن يقوم دومًا علاقاته لتكون سوية صحيحة سليمة، ولن يكون ذلك إلا بعرضها دومًا على الشرع الحنيف.. المقياس والأنموذج.