التجارة الخفية ذات الربح الوفير والوزر الكبير

تجّار العلم

أ.د. أحمد شرشال

أكاديمي جزائري

ما كنت أحسب أن هناك نوعا من التجارة خفيًّا، ربحه وفير ووزره كبير، ولا يعلمه كثير من الناس، فهو أشبه ما يكون بالسر المكتوم.

وكان اعتقادي أن أنواع التجارة في كتاب الله نوعان: نوع مع اللّه، ونوع في منافع العباد، وكلاهما مشروع قد قرّره القرآن الكريم ومارسه سيد الخلق "صلى الله عليه وسلم" ، إلا أن النوع الأول تجارته لن تبور، وربحه محقق ودائم لا ينقطع ولا يزول، وفائدة هذه التجارة محققة، وهي من نوع بيع السلم لأن المُثْمن غير مقبوض، ولكنه مضمون ومسجل في الكتب السماوية، وعد الله عليها بالفوز العظيم وبشر بها المؤمنين والنوع الثاني: تجارة في منافع العباد ومصالحهم، وهي مشروعة وأذن فيها الشارع إذا كانت لا تلهي عن ذكر الله، ولكن ربحها مرجوّ وموقّت وزائل، وإذا التزم صاحبها بقواعدها الشرعية في مواردها ومصارفها، وتجنب التطفيف في كيلها ووزنها آلت به إلى النوع الأول، ولكن ستظل التجارة الأولى متفردة بخصائص بضاعتها ونتائجها العظيمة.  a27.jpg

 

وما كنت أعرف أنواعا أخرى من التجارة، حتى اختلطتُ بعشاق هذه التجارة الخفية، فاكتشفت نوعا آخر خفيّا، ربحه وفير ووزره كبير، ووجدت نفسي مع كبار التجار ونساوم مع المساومين منهم، ولم أنتبه لهذا النوع الخطير إلا وأنا في خضم هذه التجارة وبئست التجارة، وطريق الخلاص منها عسير، لأنني ألفت ربحها الوفير.

وما كنت أحسب أن هذه التجارة توعد عليها القرآن الكريم بالوزر الكبير في أكثر من موضع، وكم كنت أمر على مواضعها في كتاب اللّه بالتلاوة باللسان فقط، ولذلك لم أدرك خطورتها ولولا لطف اللّه ورحمته بي لكنت من الهالكين في هذه التجارة.

وفجأة، وفي حالة من حالات الصفاء الروحي والذهني برزت خطورتها ماثلة أمامي في سطور المصحف، فأعدت الكرّة من الذهول الذي غشيني من الوعيد الشديد الذي يلحق الممارس لهذه التجارة الخفية ذات الربح الوفير، فوجدتها من أعظم كبائر الذنوب، فأرجعت البصر مرات وكرات للنظر في عواقبها الشديدة، فأردت أن أبين مخاطرها لتكون على بال من يشتغلون بهذه التجارة ليسلموا من مخاطرها الكبيرة.

فأوجه قلمي لدعوة هؤلاء التجار، فإني أراهم أحوج من غيرهم من عوام الناس بالتذكير والعظة والتحذير، بل الدعوة إلى سواء السبيل من جديد، لأنهم انحرفوا عن الجادة أكثر من انحراف عوام الناس، بل ما كان لانحراف العامة أن يكون لولا انحراف هؤلاء التجار.

ولا أجد في هذا غضاضة فقد حذر الله سيد الخلق "صلى الله عليه وسلم" فقال له ربه: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين} (يونس: 105)، وقال له : {الحق من ربك فلا تكن من الممترين} (آل عمران: 60)، وحذره من اتباع أهواء اليهود فقال له: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين} (البقرة: 145)، وأمره بالتقوى ونهاه عن طاعة الكافرين والمنافقين فقال {يأيها النبي اتق اللّه ولا تطع الكافرين والمنافقين} (الأحزاب: 1).

ولم يستنكف "صلى الله عليه وسلم" عن أوامر اللّه ونواهيه وامتثل وقال: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن} (النمل: 91،92).

ولما طلب منه "صلى الله عليه وسلم" زعماء قريش أن يأتي بقرآن غير الذي يقرأه عليهم أو يبدل ويغير بعض الآيات أجاب بأبلغ صيغ النفي وحصر مهمته في اتباع الوحي وأظهر خوفه من اللّه إن عصى أمر الله وغير أحكام اللّه من كتابه أو بدلها، قال تعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحي إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} (يونس: 15).

أما هؤلاء التجار إذا طُلب منهم يُلبُّون الدعوة، وهم يتنافسون في كسب ودّ هؤلاء الذين أمروهم، وأنا أحذر نفسي وأحذر هؤلاء التجار الذين يرون أنفسهم فوق التذكير والتحذير، وهم تجار العلم كالمدرسين والأساتذة وبخاصة من يتسمَّوْن بالألقاب العلمية فإن خطر هؤلاء أعظم، لأن انحرافهم فيه انحراف وهلاك للأمة بأسرها، وأنهم قد تقلدوا مناصب سامية رفيعة، وكلما رفع المنصب والوسام والدرجة والترقية كلما كان التنازل عن الدين، حتى يتم الانسلاخ منه، نعوذ بالله من ذلك، ويصوّر لنا القرآن ذلك الانسلاخ وأثره بقوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} (الأعراف: 175).

شبه سبحانه وتعالى من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي به يهتدي فترك العمل به واتبع هواه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات، فإن من أعطاه الله الآيات البينات وتمكن منها ثم انسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها يظفر به الشيطان ويدركه، وكان محفوظا محروسا بآيات الله محمي الجانب لا ينال منه الشيطان إلا على غرة، فصار من الغاوين.

قال القاسمي في محاسنه: «بين في هذه الآية حال علماء السوء الذين يختارون الدنيا على الآخرة نهيا عن تقليدهم واتباعهم» (1). ومثَّل حالهم في طلب الدنيا بحال الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فإنهم يلهثون وراء العقود، فإذا وجدوها يلهثون وراء التجديد، وإذا وجدوه يلهثون وراء استمراره إلى ما لا نهاية.

والمقصود بتجارتهم هنا هو بيع العلم وبذله واتخاذه تجارة وكسبا مقابل ثمن، فالشبه حاصل بالتجارة من كل وجه، ومن ثم أطلقتُ عليه لفظ التجارة.

وقد أطلق الله على أفضل أعمال البر تجارة وبيعا وشراء، فصار العلم في هذا الزمن بضاعة يباع ويشترى، ولا فرق بينه وبين سائر السلع المادية، وأنشئت لهذا الغرض جامعات، فهان العلم، وقل شأنه، وادعاه الأراذل من الناس، ومنحت شهادات علمية من غير كفاءة.

ومقصودي في هذه السطور أن يكون بذل العلم مدخولا كأن يحرفه باذله، أو يؤوله على غير وجهه، أو يحذف منه شيئًا، أو يصرف دلالته عن مدلوله الأصلي الحقيقي، أو يجد في نفسه حرجا من بعض الآيات المحكمات فيسكت عنها ويكون بذلك كاتما، فيفعل كل هذا مقابل ثمن أو منفعة أو غرض أو مصلحة أو ترقية أو منصب أو عقد...الخ.

إن الذي يشتري السلعة يستطيع أن يميز بين جودة السلعة ورداءتها، والذي يشتري العلم ويتلقاه لا يستطيع أن يفرق بين العلم الصحيح والعلم المدخول، ومن هذا الباب أدخل تجار العلم الغش والفساد في تجارة العلم، وروجوا لأمور فاسدة كان لها الأثر السيئ على الطالب والمجتمع.

إن العالم إذا تاجر بالعلم، واتخذ بالشهادة العلمية التي يحملها موقعا يمكّنه من الطمع في عاجل الدنيا، ويهوي به في غمط الحق ونصرة الباطل وقمع المخالف ونسيان الدار الآخرة، إنه إن فعل ذلك فقد باء بالخسران العاجل والآجل، ومحق بركة ما معه من العلم، ولن تنفعه وجاهته التي تلبّس بها وهو ليس لها بأهل، وسيكون علمه عليه وبالا ونكالا، وبئس ما اختار لنفسه.