المستشار مؤتمن

 بقلم : د. مسعود صبري

 «المستشار مؤتمن» . .jpgهذا جزء من حديث للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا المثل النبوي الكريم يشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بعض القيم الأخلاقية التي تتعلق بحياة الناس الاجتماعية، وأهمها الاستشارة، والمثل يشير إلى معنيين: 

المعنى الأول: طلب الاستشارة، وذلك أن الإسلام يدل المسلمين على طلبها، والانتفاع بها، لأن الإنسان بطبعه يحتاج إلى غيره، وخير للانسان أن يفكر بعقول كثيرة من أن يفكر بعقل واحد.

وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في مقام مدح المؤمنين بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى: 38).

وأرشد الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى تعليم الصحابة الشورى بأن يشاورهم حتى يكون قدوة لهم في ذلك.

فقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: 159).

وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في كثير من المواقف، كما في صلح الحديبية، وفي غزوة بدر وفي حادث الإفك وغير ذلك من المواقف، حتى إنه كان يستشير بعض زوجاته في الأمور العامة.

الاستشارة من الفطرة

والاستشارة فطرة العاقلين من بني البشر، وقد قص القرآن علينا مواقف من استشارات العقلاء من الناس، فقد استشارت ملكة سبأ قومها في قضيتها مع سليمان- عليه السلام- فقالت لهم: {مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} (النمل: 32).

وقد قال الشاعر في فضل الاستشارة:

عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة كحدة السيف لا تغني عن البطل

المعنى الثاني: الأمانة في الاستشارة، فإذا استشار إنسان آخر، فعلى هذا المستشار أن يكون أمينًا معه، فلا يزين له أمرًا على غير حقيقته، ولا يقل شيئًا لا يعرفه، ولا يخف شيئًا عنه كان في إخفائه ضرر عليه.  .jpg

والمستشار العاقل من يخبر من استشاره بالحق دون أن يهتك ستر من استشير في رأيه، وله أن يكني في الكلام ولا يصرح فيما إذا كان سيتحدث بالذم بما يهتك ستر من يتحدث عنه، فعليه أن يخبر بما يعرف إلا أن يترتب على ذلك ضرر على المستشار.

فيحصل أن يعجب شخص بفتاة – مثلا- ويسأل عنها حتى يزوجها، فلا يقول المسئولون عنها إلا كل خير، ظانين بذلك أن هذا من الواجب الشرعي، فيظهرون محاسنها، ويخفون ما فيها من مساوئ، والواجب هنا أن يكون الإنسان أمينا في نصحه، بما يعرفه عن الفتاة حتى يمكن الشخص الذي يريد الزواج منها أن يأخذ القرار الصحيح.

 

فوائد الاستشارة

ولا يخفى على العقلاء ما للمشورة من فوائد عظيمة، من أهمها:

إحياء الروح الجماعية في المجتمع، والحد من الفردية والأحادية في اتخاذ القرارات التي قد تكون مصيرية.

وقد قال الشاعر الحكيم:

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به   رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

كما أن من بركات الشورى تدريب الشباب وإعدادهم وتنمية مواهبهم، فقد أخرج البيهقي أن عمر رضي الله عنه كان إذا نزل الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يقتفي حدة عقولهم. 

وعمر رضي الله عنه بهذا الصنيع يعرف للشباب قيمتهم، وما لتفكير الشباب من آفاق منفتحة، قد لا تكون عند كثير من الشيوخ.

وقد قال سعد بن أبي وقاص: «إذا أهم الأمر عمر بن الخطاب دعا ابن عباس وقال له: غص غواص». عرفانا بعقلية الشاب ابن عباس رضي الله عنه، وعمر يستشيره وهو أمير المؤمنين وحاكم المسلمين.

أقوال الحكماء في الشورى

قال بعض الحكماء: «ما استُنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حُصنت النعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر».

قال ابن الجوزي: «ومن فوائد المشاورة أنه قد يعزم على أمر، فيبين له الصواب في قول غيره».

وقال الحسن: «ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم».