أزمة الغذاء في اليمن .. المشكلة و الحل

 بقلم  : عبدالحافظ الصاوي

خبير اقتصادي

 على الرغم من أن الأزمة المالية العالمية، قد أدت إلى انخفاض العديد من السلع الأولية ومنها السلع الزراعية، إلا أن الأزمة التي عاشها العام على مدار عام 2007 وحتى الشهور التسعة من عام 2008 في مجال الغذاء، من حيث قلة المعروض منه وارتفاع أسعاره، وكذلك الممارسات الجشعة للمضاربين في الأسواق العالمية على السلع الزراعية، أو توجه الدول المتقدمة لإنتاج الوقود الحيوي من السلع الغذائية، كل ذلك جعل جميع الدول تعيد حساباتها بشأن تأمين احتياجاتها من الغذاء، بالصورة التي لا تؤثر على أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية بل والسياسية أيضا.  a14.jpg

وكانت اليمن واحدة من البلدان الفقيرة التي ألمت بها أزمة الغذاء، في ظل ارتفع معدلات وحدة الفقر بها، فتشير الأرقام خلال الفترة من 1998 - 2005 إلى أنه قد انخفض نصيب شريحة الـ 20 % الأفقر من السكان إلى 1.6 % بعد أن كان 6 % من إجمالي الدخل، في حين حدث العكس لنسبة الـ 20 % الأغنى حيث حصلوا على نسبة 67 % من الدخل في عام 2005 بعد أن كانت نسبتهم 49 % في عام 1998.

وفي هذا الإطار عقدت جامعة الإيمان بالجمهورية اليمنية ندوتها العلمية بعنوان « نحو استراتيجية يمنية للأمن الغذائي في الحبوب» وذلك في الفترة من 15 - 18 نوفمبر 2008.

مفهوم الأمن الغذائي

تناولت معظم الأوراق المقدمة للندوة التعريف بمفهومي أزمة الغذء والأمن الغذائي. وعرفت أزمة الغذاء على أنها: وجود خلل في إتاحة احتياجات أفراد المجتمع من السلع الغذائية من خلال الإنتاج المحلي، أو وجود اضطرابات تعمل على صعوبة الحصول على الغذاء من الخارج، سواء كان ذلك بسبب ظروف سياسية أو اقتصادية، أو الفشل في توفير عوامل الصحة والسلامة المطلوب توافرها في السلع الغذائية التي يستخدمها أفراد المجتمع، أو معاناة أفراد المجتمع في توفير ثمن ما يلزمهم من الغذاء، وقد تأخذ أزمة الغذاء أحد هذه الصور السابقة أو بعضها، أو قد تجتمع كلها في حالة ما.

أماالأمن الغذائي فقد تم تعريفه على أنه: قدرة المجتمع على توفير احتياجاته الغذائية الأساسية لأفراد المجتمع وضمان حد أدنى من تلك الاحتياجات بانتظام، ويشير هذا المفهوم إلى عناصر أساسية ثلاث هي: وفرة السلع الغذائية، استقرار السلع من حيث احتياجات وامداد السوق بها، امكانية المواطنين المادية للحصول على السلع.

نظرة الإسلام للأمن الغذائي

مصطفى الدسوقي كسبة- المدير التنفيذي لمركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي- قدم ورقته للندوة بعنوان «الأمن الغذائي ومقاصد الشريعة» اشار فيها إلى أن المفهوم الإسلامي للأمن الغذائي يختلف عن المفهوم الوضعي حيث يركز المفهوم الإسلامي على البعد العقدي الذي لا يمكن إغفاله. وهذا البعد العقدي يرتكز على ثلاثة أسس: أولها: الإيمان القوي بأن الله هو الرازق، وأنه لن يترك مخلوقا دون كفايته من الرزق. ثانيها: أن الاستغفار والدعاء يجلبان الرزق. ثالثها: أن تقوى الله والإلتزام بمنهج الله ينميان الرزق. وأشار الدسوقي إلى أنه توجد ثلاثة مستويات متدرجة للأمن الغذائي من المنظور الإسلامي، إبتداء من المستوى الضروري للأمن الغذائي، وإنتهاء بالمستوى الكمالي للأمن الغذائي، ومرورا بالمستوى الحاجي للأمن الغذائي. ويتوقف مستوى الأمن الغذائي الذي يحققه المجتمع وطبقاته على الحالة الاقتصادية التي يمر بها المجتمع الإسلامي، وعلى مستوى دخل كل طبقة من طبقاته.

واقع أزمة الغذاء في اليمن

أشار الدكتور خالد قاسم أستاذ الاقتصاد الزراعي المساعد بجامعة صنعاء إلى أن الفجوة الغذائية للحبوب في اليمن تتجه إلى الارتفاع بصفة مستمرة. فقد ارتفع حجمها من 1235 ألف طن عام 1990 إلى3581 ألف طن عام 2007، ومن المتوقع أن يصل حجمها إلى نحو 3254 ألف طن عام 2020. ويتم مواجهة العجز بالاستيراد، ففي عام2007 تم استيراد حوالي 2790 ألف طن من القمح والدقيق، ونحو 406 ألاف من الذرة الشامية لتغطية الاحتياجات الغذائية للسكان.

وبين قاسم أن اتساع الفجوة بين نمو الناتج المحلي من الحبوب والنمو السكاني أدى إلى تدني وتراجع نصيب الفرد اليمني من مجموعة الحبوب، فقد كان في عام 1990 نحو 171.4 كيلو غرام وتراجع إلى نحو101 كيلو غرام للفرد في عام 2006، وبلغ نحو132.4 كيلو غرام للفرد كمتوسط خلال الفترة (2003- 2005) مقارنة بنحو 324 كيلو غرام للفرد على المستوى العربي خلال نفس الفترة. كما يتفاوت نصيب الفرد في اليمن من السلع الغذائية لمحاصيل الحبوب تفاوتا كبيرا، نحو 103 كيلو غرام في السنة من القمح ودقيقه، ينخفض هذا المتوسط إلى32 كيلو غرام من الذرة الرفيعة، والى 13 كيلو غرام من الذرة الشامية، والى12 كيلو غرام من الأرز. وتشير الارقام التي دلل بها قاسم على واقع الغذاء في اليمن، إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي للحبوب في اليمن تراجعت من حوالي40% عام 1990 إلى نحو22.5% عام 2007، وتراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي للقمح من 13.1% عام 1990 إلى حوالي 7.3% عام 2007.

مشكلات إنتاج الحبوب في اليمن

الدكتور عبده فقيرة أستاذ المحاصيل بجامعة صنعاء تناول في ورقته مجموعة المعوقات والمشكلات التي تواجه إنتاج الحبوب في اليمن وبين أنها تتنوع بين أمور عدة منها:

1- زراعة محاصيل الحبوب على النظام المطري يوجد نوع من المخاطرة إضافة الى عدم كفاية تلك الكميات في وصول المحاصيل المنزرعة على الامطار الى مرحلة الحصاد.

2- ثبت أن 30% من مياه الري يتم استنفاذها في زراعة القات، وكان من الممكن توفير هذا القدر من المياه لاستخدامها في زيادة البدائل الرئيسية للأمن الغذائي كالحبوب والخضر والفاكهة.

3- قلة وعي المزارعين بالتعامل مع محاصيل الحبوب سواء في الاوقات الحرجة للري ومواعيد التسميد ومكافحة الحشائش، والاستنزاف الجائر لمياه الري.

4- عدم توفر ميكنة متكاملة لوجود أولويات في خدمة المحاصيل المنافسة.

5- ارتفاع أسعار الوقود (الديزل) وانعكاس ذلك على انتاجية الهكتار من الحبوب وخاصة في المناطق المعتمدة على الري بالآبار.

6- ارتفاع أسعار العماله وخاصة في المناطق الساحلية والتي يعتمد فيها مساحات كبيرة من الاراضي التي تستخدم في انتاج محاصيل الحبوب على تلك العمالة

7- . ضعف الانتاجية في وحدة المساحة وصغر الحيارات تشكل عائقا في تسويق محاصيل الحبوب نتيجة لقلة المنتج.

8- قلة أعداد المتخصصين في انتاج محاصيل الحبوب وقيام تنفيذ البحوث المتعلقة بمحاصيل الحبوب من غير المتخصصين، وارتفاع تكا ليف انتاج البذور محليا.

التمويل المفتقد للقطاع الزراعي

نظرا لحالة الفقر التي يعيشها المجتمع اليمني وكذلك التوجهات الاقتصادية الجديدة للدولة فقد تم توظيف الجهاز المصرفي ومصادر التمويل في إطار المنهج التجاري الهادف للربح بغض النظر عن الابعاد التنموية أو الاجتماعية والاقتصادية التي يحققها النشاط الزراعي. وقد اشار معظم المشاركين بالندوة إلى قصور دور بنك التسليف الزراعي في تمويل صغار المزارعين، وكذلك الصتدوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، وأن الصندوق يعتمد بشكل كبير على تمويل مشروعات القادرين.

الإيمان هو المنطلق الصحيح

أتت توصيات الندوة في نحو أكثر من عشرين توصية ركزت على العديد من جوانب مشكلة الأمن الغذاء في اليمن، إلا أنها انطلقت من قاعدة أساسية تمثل خلفية المشاركين وطبيعة المجتمع اليمني، وكذلك رؤية جامعة الإيمان الإسلامية، وكانت أهم التوصيات ما يلي:

- الإيمان والتسليم المطلق بأن الله سبحانه وتعالى هو المتكفل بالعباد وأن الواجب على الناس بذل الأسباب، من خلال الاعتماد على المنهج العلمي في تحقيق الأهداف المرجوة لما يخدم الإنسان ويحقق له الاستخلاف في الأرض وعمارتها على مراد الله.

- القيام بدراسة وتحديد الموارد المختلفة - دراسة علمية ومنطقية وواقعية - وتكوين قاعدة بيانات صحيحة يعتمد عليها في تشخيص المشاكل والمعوقات المختلفة وتقدير الاحتياجات من الحبوب على المستوى القريب والمتوسط والبعيد، ووضع الأهداف الواقعية ( وفق الإمكانات ).

-إشراك جميع الأطراف ذات العلاقة Stakeholders السياسية - الاقتصادية - الأكاديمية - البحثية - منظمات المجتمع المحلي) والاستفادة من كل الطاقات البشرية في عمليات التخطيط والتنفيذ للدراسات الميدانية وفق جدول زمني محدد يبدأ من المستويات الإدارية الدنيا إلى الأعلى (الخطط اللامركزية - التخطيط من القاعدة إلى القمة).

- الاستفادة من التنوع الجغرافي والبيئي في إيجاد مناطق زراعية إنتاجية متخصصة) تتميز بمميزات نسبية عن غيرها من المناطق في زراعة محاصيل معينة مثال ذلك أن تكون محافظات الجوف - مأرب - شبوة مناطق خاصة بزراعة القمح وتكون محافظات ذمار - اب - تعز لزراعة الذرة الشامية...... وهكذا.

- سن القوانين والتشريعات التي تنظم حقوق استخدام المياه الجوفية بما يحافظ على ديموميتها واستمرارها وعدم الإسراف في استخدامها.

- التركيز على الزراعة المطرية وتفعيل دور البحوث الزراعية في استنباط أصناف مقاومة للجفاف ومبكرة النضج وتتناسب مع الظروف المناخية في المرتفعات الجبلية.

- الاهتمام بالبحث العلمي الزراعي ودعم البحوث الزراعية في الهيئات والجامعات فنيا وماليا باعتبارها الرافد الحقيقي للتقانات الزراعية التي تهدف الى حل كل المشاكل الزراعية.

- تفعيل دور الإرشاد الزراعي وإعادة تأهيل كوادره واعتباره مكونا رئيسيا في جميع برامج وخطط التنمية الزراعية والريفية.

- الاهتمام بالإعلام وجعله أداة بناء للقيم والاستفادة من جميع وسائله المختلفة في نشر الوعي الزراعي والبيئي والمحافظة على الموروث اليمني من الحبوب ومن المعارف والخبرات المتوارثة والاستفادة مما يثبت صلاحيته للزمان والمكان باعتبار اليمن متعدد البيئات الزراعية.