فن صناعة الكلمة

 ألمانيا : كريمة بداوي

  ليس أفضل من أن نستقي معالم فن، صناعة الكلمة من معين النبوة الصافي، الذي ينهل من الوحي الرباني، فلا يفنى نفعه ولا ينضب عطاؤه مهما تغيرت الأزمان والأحوال، وبهذا نسلط الضوء على أساليب مرفوضة يقوم بها البعض في المجال الإعلامي.  a13.jpg

يقول المولى تبارك وتعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} (ق: 18) وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» (رواه البخاري) قال الحافظ ابن حجر: «قوله: لا يلقي لها بالا، أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئا» (1)، هذه الرقابة الذاتية التي تفرض على صاحب الكلمة التأمل والتفكر في مآل خطبته أو مقاله، هي ما يصنع الفرق الجوهري بين دعاة صناعة الكلمة الرصينة الهادفة وبين المنتفعين اللاهثين وراء مصالح دنيوية متلونة، لأنه لا يكفي الانشغال بإنشاء حر اللفظ دون أن يكون اللفظ ذاته دالًّا على شريف المعاني، أي لا ينبغي أن يشغلنا جمال الصنعة وبريقها عن سبر حقيقة معدنها، وبهذا الميزان الدقيق يظهر للعيان أن فن صناعة الكلمة في ثقافتنا الإسلامية يعني إعداد وتكوين من يحرص أشد الحرص على صدق محتوى كلمته، فلا مكان لخطيب مفوّه يسحر الألباب والعقول لكنه يلوي عنق الحقائق، ولا لإعلامي فذٍّ أو كاتب ألمعيٍّ لا يحمل شرفًا وضميرًا حرًّا بين جوانبه.

وإذا كان الأمر يحظى بهذه الجدية والأهمية، فما هي أهم العوامل التي تضمن نجاح الكلمة ووصولها إلى قلب وعقل المتلقي، سواء كانت في صورتها المسموعة أو المقروءة (تعلق الأمر بفن التأليف أو الخطابة).

 

تحديد هوية المتلقي

لابد من مراعاة جملة من الأمور:

أولها: هناك فضاءات عديدة تجمع صاحب الكلمة بالمتلقي، فعلى سبيل المثال إذا كان الجمهور المتواصل معه مخالفاً له في الدين، فإنه حتمًا يجتمع معه في أبعاد إنسانية أخرى يتقاطع معه بموجبها في مصالح عديدة، قد يكون منها وحدة الوطن، أو تحقيق مصلحة مشروعة، ومنها إيصال الصورة الحقيقة لديننا الإسلامي، دون الانشغال بالتشنيع والرد على المخالف وتتبع عوراته، وفي موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه في مكة قدوة لنا، عندما عرضوا عليه المال والجاه والملك أو الاستطباب، أجابهم عليه الصلاة والسلام: «ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا فيأكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون بشيرًا ونذيرًا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» (2).

بهذا الرد البليغ المؤثر، الذي لم يعطِ كبير اهتمام لاتهاماتهم الباطلة وعروضهم المغرية يردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلب الموضوع، وهو رسالة التوحيد، ويذكرهم بحظهم في الدنيا والآخرة إن آمنوا به، ثم لا يهددهم ولا يتوعدهم إنما يختم قوله بأنه سيصبر على كفرهم وعنادهم وهو في كل ذلك محتكم لأمر الله متوكل عليه.

 

ثانيًا: عامل السن

فالكلمة التي نوجهها للطفل تختلف كمًّا وكيفًا عن تلك التي نخاطب بها المراهق الشاب أو العاقل الناضج، فلكل مرحلة زمنية خصائصها ومتطلباتها، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما أجاب جواري بني النجار المستبشرات بقدومه قائلًا: «يعلم الله إني لأحبكن» (رواه مسلم في مقدمة الصحيح) يضرب لنا أروع المثل بالتعبير بلهجة بسيطة مباشرة وصادقة عن مشاعر الحب والحنان للطفل، وذلك لحاجته الفطرية إلى تلك المشاعر الدافئة.

 

ثالثًا: تفاوت المدارك والعقول

فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» (رواه البخاري) ومراعاة هذا التفاوت يكون على مستويين، الأول منهما يتعلق بـ:

- أسلوب الخطاب: فمن آداب النبوة مخاطبة الناس بلغة سهلة واضحة والابتعاد عن التقعر والتكلف والبحث عن غريب الألفاظ لأجل عنصر الإبهار والتعالي «ما لم يكن ذلك عن سليقة أعطاها الله له فاستخدمها صاحبها في بيان الحق»، ولقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المسلك فقال: «إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها» (سنن أبي داود).

- مضمون الخطاب: فليس كل ما يعلم يقال، ولعل من بين مصائبنا اليوم، كثرة البرامج الإعلامية التي تخوض في كل مجال وتقتحم علينا البيوت، فتفتح أبوابًا يلجها العام والخاص، الصغير والكبير، دون أدنى شعور بالمسؤولية ومراعاة للمآل من طرف معديها.

 

رابعا: الظروف والبيئة التي يعيش فيها المخاطَب

في كثير من الأحيان تصنع البيئة والظروف المحيطة بالإنسان سياجًا يصعب اختراقه، بل لابد من مراعاته إذا أردنا أن تجد كلماتنا آذانا صاغية لها، وعلى سبيل المثال إذا توجهنا إلى أقلية مسلمة يعيش أفرادها منذ أجيال في دول غربية متفرقة، فإنه من التكلف مخاطبتهم بنفس الأسلوب والمضمون الذي نتوجه به لمسلمين يعيشون في ديار الإسلام، لأن ظروفهم مختلفة ومناحي حياتهم متباينة، وهم يتأثرون سلبًا أو إيجابًا بالثقافة الغربية التي تحسن توظيف كل ما من شأنه خدمة أهدافها المعلنة وغير المعلنة.

وعليه يجدر بنا طرح سؤال يفرضه التطور الحاصل في عصرنا، هل استطعنا كمسلمين جمع وتحصيل عناصر الإقناع في الكلمة من حيث الشكل والمضمون، وذلك بمراعاة الانسجام التام بين جمال الشكل وإبداع المحتوى لحل مشاكلنا المستعصية وخدمة قضايانا العالقة؟

أظن أن الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى رصد بعض الظواهر السلبية التي طغت على ساحتنا الأدبية والإعلامية..

1- السقوط في فخ توظيف الصورة: لا نقصد بالصورة التقنية العالية وذكاء التوظيف اللذين لا غنى عنهما في عالم اليوم، إنما نقصد العناية المتزايدة التي تركز على شكل صاحب الكلمة من حيث استكمال عنصر الوسامة وسن الشباب، وهما شرطان ضروريان لمقدمي البرنامج في القنوات التلفزيونية، وهكذا تنقلب المعادلة، فبدلًا من أن تصبح الصورة في خدمة الكلمة يحصل العكس عندنا.

2- في مجال الدعوة الإسلامية: يطالعنا بعض المتخصصين في هذا المجال الذين غالبًا ما يكون تخصصهم نابعًا عن اجتهاد فردي (دون تكوين أكاديمي) بخطب يزعمون فيها صدق اللهجة بينما هم يتعمدون جرح مشاعر الآخرين، بل إن منهم من نصب نفسه للرد على فلان، الذي لا يتوانى هو الآخر عن الرد عليه، فتتيه عقول الناس بين الردود التي تبعدهم عن مناقشة صلب الموضوع وإثرائه.

3- البحث الدائم عن عنصر المفاجأة والتشويق من أجل مكاسب دنيوية من ذيوع شهرة إلى ربح مادي، أفقد الكلمة مصداقيتها ومن ثم تأثيرها خاصة بعد ذيوع وسيلة الإنترنت التي سهلت ظهور من يطالعوننا بكل غريب عجيب من تخصصات حديثة في علم النفس والتربية... إلخ.

وفي الختام قد يُغيب كثرة اللغط وتضارب الآراء- نتيجة التحليل الغير منهجي- أثر الكلمة ولو إلى حين خاصة إذا لم يكن صاحبها على قدر المسؤولية المنوطة به، أما إذا كان متشبعًا بآداب النبوة واثقًا من المحتوى مخلصًا النية، صاحب لسان فصيح وسليقة عربية، فإن سحر الكلمة سيكون نافذًا ونفعها متعديًّا، وصدق عليه أفضل الصلاة والتسليم حين قال: «إن من البيان لسحرًا» (3).

 

هوامش:

1- فتح الباري شرح صحيح البخاري.

2- سيرة ابن هشام– 3/123.

3- شرح عدد من الفضلاء الحديث على أنه مدح وحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ بتوسط واعتدال حسبما يقتضيه المقام لأنه محمول على تزيين الحق- انظر فتح الباري.