العالِم الشاب.. معاذ بن جبل رضي الله عنه

  محمد شعبان أيوب*

 في منطقة العقبة جنوب مكة،  1.jpg وفي هجعة المكيين الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته منذ سنين، وبالتحديد في موسم الحج من العام الثالث عشر من البعثة النبوية الشريفة، جاء من يثرب ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان؛ لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعته فيما عُرف ببيعة العقبة الثانية.

كان من بين هؤلاء الرجال والنساء شاب في الثامنة عشرة من عمره، فتى لا يزال في مرحلة الفتوة، لم تنبت له لحية ولا شارب، قد أُعجب بالدين الجديد، حتى ملك شغاف قلبه.

وقف الشاب يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على «السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقوم للحق لا تأخذه فيه لومة لائم»(مسند أحمد)..

إنه معاذ بن جبل الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه

 أسلم شابًّا وتوفي شابًّا.

يا معاذ إني أحبك في الله!

حرص رضي الله عنه منذ إسلامه على أن يشهد الغزوات كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتخلف عنها قط(1).

ترسّخت محبة هذا الشاب المخلص رضي الله عنه

 في قلب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معاذ، إني لأحبك في الله». قلت: وأنا والله يا رسول الله.. أحبك في الله. قال: «أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر كل صلاة؟ رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(مسند الشاشي).

أعلم أمتي بالحلال والحرام!

كان رضي الله عنه أفقه الناس وأعلمهم بالحلال والحرام، وله اجتهاد حسن سنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس كافة، فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن معاذًا دخل المسجد، ورسول الله ساجد، فسجد معه، فلما سلم، قضى معاذ ما سبقه. فقال له رجل: كيف صنعت، سجدت ولم تعتد بالركعة؟ قال: لم أكن لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حال إلا أحببت أن أكون معه فيها. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فسرّه، وقال: «هذه سُنة لكم»(2).

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبيّ، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة»(رواه البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: «وأعلم أمتي بالحلال والحرام: معاذ»(3).  a9.jpg

 

قاض ومفت

ولقد كان الذين يُفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة من المهاجرين: عمر، وعثمان، وعلي. وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ، وزيد- رضي الله عنهم أجمعين-(4).

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، استخلف عليها عتاب بن أسيد يصلي بهم، وخلّف معاذًا يُقرئهم ويفقههم(سيرة ابن هشام).

ولقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا في العام الحادي عشر من الهجرة إلى اليمن، قال رضي الله عنه

رضي الله عنه، لما بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال لي: «كيف تقضي إن عرض قضاء؟» . قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فإن لم يكن فيما قضى به الرسول؟». قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب صدري، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله»(رواه البيهقي).

هذا الشاب الذي أتاه الله علمًا كان الصحابة يُجلونه ويُكبرونه ويحترمونه غاية الاحترام ولذلك قيل: «كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ، نظروا إليه هيبة له»(أبو نعيم في الحلية).

استقر رضي الله عنه، في الشام منذ العام الثاني عشر من الهجرة، وظل يعلم الناس العلم في المساجد، خاصة مسجد مدينة حمص شمال الشام، فعن أحد التابعين قال: دخلتُ مسجد حمص، فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلًا من الصحابة، فإذا فيهم شابٌ أكحل العينين، براق الثنايا، ساكت، فإذا امترى القوم، أقبلوا عليه، فسألوه. فقلت: من هذا؟ قيل: معاذ بن جبل. فوقعت محبته في قلبي(5).

وعن آخر قال: دخلت مسجد حمص، فإذا بفتى حوله الناس، إذا تكلم كأنما يخرج من فمه نور ولؤلؤ. فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل(أبو نعيم في الحلية).

 

التقي الزاهد..

وكان معاذ شابًّا جميلًا سمحًا، من أحسن شباب قومه، وقد «كَانَ معاذ إذا تهجّد من الليل قَالَ: اللَّهُمَّ نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللَّهُمَّ طلبي الجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللَّهُمَّ اجعل لي عندك هدى ترده إلي يَوْم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد»(6).

وفاته رضي الله عنه في عام 18هـ وقع بالشام الطاعون الشهير المسمى بطاعون عمواس، نسبة إلى المدينة التي ابتدأ فيها، وكان رضي الله عنه ممن أصيبوا في هذا الطاعون، «فصرخ الناس إلى معاذ: ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز. قال: إنه ليس برجز، ولكن دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وشهادة يخص الله بها من يشاء منكم»(7).

وكان رضي الله عنه في ظل هذا البلاء العظيم يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستهاجرون إلى الشام، فيفتح لكم، ويكون فيه داء كالدمل، أو كالوخزة، يأخذ بمراق الرجل، فيشهد- أو فيستشهد- الله بكم أنفسكم، ويزكي بها أعمالكم» «اللهم إن كنت تعلم أن معاذًا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطه هو وأهل بيته الحظ الأوفر منه.. فأصابهم الطاعون، فلم يبق منهم أحد، فطُعن في أصبعه السبابة، فكان يقول: ما يسرّني أن لي بها حمر النعم»(مسند أحمد).

توفي رضي الله عنه وهو لا يزال شابًّا، إذ كان عمره عند وفاته ثمانية وثلاثين سنة على أقصى تقدير.. رضي الله عنه وأرضاه، وجعلنا ممن يسيرون على خطاه.

وفي فضله قال النبي صلى الله عليه وسلم «معاذ أمام العلماء يَوْم القيامة برتوة (8) أو رتوتين»(9)!

 

* باحث مصري في الدراسات التاريخية

1- ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة 5/187.

2- ابن عساكر: تاريخ دمشق 58/417.

3- جامع معمر بن راشد، ضمن مصنف عبدالرزاق (20387).

4- الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/451.

5- الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/453.

6- ابن الأثير: أسد الغابة 5/187.

7- الذهبي: سير أعلام النبلاء 1/457.

8- أي درجة، والمعنى أنه يسبق العلماء يوم القيامة في الشرف والمنزلة.

9- ابن الأثير: أسد الغابة 5/187.