البسمة .. صدقة

بقلم :   كمال عبدالمنعم محمد خليل

 روى البخاري في الأدب المفرد والترمذي في سننه بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه، وغيرهم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضالة صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة»، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، فالبسمة من المعروف الذي لا يرهق صاحبها تعبا، ولا يكلف من يفعلها دينارا ولا درهما، ولا يصعب بذله ليلا أو نهارا، ولا توجد دونه حواجز من أجل التعامل به مع الكبير والصغير. a9.jpg

هذه البسمة من أجلّ صنائع المعروف، لأنها مفتاح القلوب، بها يألف الناس بعضهم بعضا، فهي تصنع صنيع السحر في جعل القلوب لينة هينة، راضية مرضية، هذه البسمة التي تعلو الوجه في السعي والدأب، في المنشط والمكره، في البيع والشراء، تكون سببا لنيل رحمة الله تعالى، روى البخاري في صحيحه ورواه غيره وصححه الألباني من حديث جابر بن عبدالله- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله رجلا، في لفظ «عبدا» سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا قضى، سمحا إذا اقتضى»، ومن منا لا يريد رحمة ربه؟!، ولاريب أن الرحمة في التعامل لا يمكن تحقيقها إلا بكلمة طيبة، وبسمة حانية، ولين ورفق في التعامل.

ألا تتفق معي- رحمني الله وإياك- أن هذه البسمة أوشكت أن تغيب من تعاملاتنا مع بعضنا، فلا سلام ولا كلام، ولا لين ولا شفقة، ولا عذر ولا اعتذار، فالكل يريد أن يتعامل مع الكل من منطق الآمر الناهي، الذي يعلو ولا يعلى عليه، فهو بشخصه وشخصيته يرفرف- متكبرا- في عنان السماء، وباقي الناس دونه، لا يمكن لنواجذه أن تبدو للناس، لأنها- من وجهة نظره- من العورات!!، فلا تجده مبتسمًا، خاصة إذا كان ملتزمًا، بل تجد العبوس محتلًا لقسمات وجهه، والغلظة هي رد الفعل المسيطر على جل تعاملاته، وإني سائل كل من يهتدي بهذا، عمَّن نقلت هذا السلوك؟ وبمن تقتدي بمثل ما تفعل؟ وإلى أي درجة تريد الوصول بجبينك إلى التقطيب والعبوس؟ إن الله تعالى يحب الرفق واللين في الأمر كله، ويحب من اتصف بالحلم والأناة، وهل الرفق واللين والحلم والأناة إلا نتاج الرحمة في التعامل مع كل الناس ولقد اقتدى الصحابة- رضوان الله عليهم- برسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخلق- أعني خلق المرح والبسمة- فقد وصفوا بأجمل وصف حين قال أحدهم:، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبادحون (يتقاذفون) بالبطيخ فإذا جد الجد كانوا رجالًا، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ضحكهم وتبسمهم، فقد روى ابن ماجه في سننه بسند حسن أن أم المؤمنين أم سلمة- رضي الله عنها- قالت: «خرج أبوبكر رضي الله عنه في تجارة إلى بصرى قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بعام، ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة، وكان سويبط على الزاد (الطعام)، وكان نعيمان رجلًا مزاحًا، قال نعيمان لسويبط أطعمني، فقال سويبط: لا، حتى يأتي أبوبكر، قال نعيمان: لأغيظنك، فمروا بقوم، فقال لهم نعيمان: تشترون مني عبدًا لي؟ قالوا: نعم، قال نعيمان: إنه عبد له كلام، وإنه قائل لكم إني حر، فإن كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا علي عبدي، قالوا: لا، بل نشتريه منك، فاشتروه منه بعشر قلائص (جمع قلوص وهي الناقة)، ثم أتوا على سويبط فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلًا، فقال سويبط: إن هذا يستهزئ بكم وإني حر، لست بعبد، فقالوا: قد أخبرنا خبرك، فانطلقوا به، فجاء أبوبكر فأخبروه بذلك، فأتبع القوم، ورد عليهم القلائص وأخذ سويبط، فلما قدموا المدينة أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منه حولًا.

ولم يعب السلف الصالح أن يمزح أحد أو أن يضحك، فقد سئل النخعى- رحمه الله- هل كان الصحابة يضحكون ويمزحون؟ قال: كانوا يضحكون ويمزحون والإيمان ملء قلوبهم، بل كان منهم من يمزح ويشتهر بذلك، فهذا الشعبي يسأله أحد الناس، إلى أي حد يجوز للمحرم أن يدلك جسده؟ فقال: حتى تبدو عظامه، هذا بجانب الفهم بأن المقصود بالتبسم والضحك والمزاح ليس صبغة الحياة كلها بذلك، بل إعطاء الحياة قدرًا من الترويج بقدر ما يعطى الطعام من الملح، فلا يزيد عن ذلك أو يمتنع فلا يقبل هذا الطعام.

 

مع الأهل

والتبسم في وجه الأهل والأبناء من أبسط حقوقهم، فقد عرف عن بعض الآباء الغلظة والعبوس في بيته فإذا خرج ضحك وقهقه ومازح الناس، وهذا انقصام في السلوك لا ينبغي أن يكون من المسلم، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمازح عائشة رضي الله عنها ويلهو معها، فقد روى أحمد وبوداود عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، فلبثت حتى إذا أرهقني اللحم (سمنت) سابقني فسبقني فقال: «هذه بتلك» هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما من حاله الغلظة والشدة، إذا دخل بيته وقف الجالس وسكن المتحرك، واستيقظ النائم، وسكت المتكلم، فإنه بعيد كل البعد عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولا ينبغي أن يفوتنا التنبيه إلى أهمية الصدق في المزاح فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا، روى أبوداود بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت (أي: ضامن) في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقة».

 

تقرب إلى الله

إننا نريد أن تتقرب إلى الله تعالى بهذه البسمة عند تعاملك في بيعك وشرائك وعند قضاء ما تريد قضاءه، وعند دعوتك الناس إلى الله تعالى، فإنك تملك القلوب بهذه البسمة، فأنت لست مسيطرًا على قلوبهم، فلا تستطيع أن تكرههم على قبول الهدى.

فتلطف في النصيحة، وتصدق على الناس ببسمتك، تلك الصدقة التي تتميز على صدقة المال بفارق كبير، فصدقة المال تبحث عن صاحبها المستحق لها من الفقراء والمساكين والمعوزين، أما صدقتك بالبسمة فهي تمنح لكل الناس، غنيهم وفقيرهم، كبيرهم وصغيرهم، هكذا فهمنا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «تبسمك في وجه أخيك صدقة» فهذا أخ لك في الإسلام، وذاك أخ لك في الإنسانية، فلا تبخل بهذه الصدقة، صدقة البسمة، ولا تقصر في تلك العبادة، فربما لان قلب إنسان، فأحب دين الإسلام، لأنه تلقى نصيحة أو كلمة طيبة أحاطتها البسمة، ورافقها اللين والرحمة، من إنسان عرف حقيقة تلك المعاملة التي لا ينبغي أن نهملها في سعينا ودأبنا، في حلنا وترحالنا.