الصوم يُجدِّد الشباب ويطيل العمر

د. محمد فتحي فرج

للصيام مكانة متميزة بين العبادات الأخرى، 8.jpg كالصلاة والزكاة والحج وغيرها، فهو إلى جانب كونه فريضة من الفرائض التي فرضها الله تعالى على المكلفين من عباده، فهو تجربة روحية إيمانية عملية، يعيشها الصائم بكل جارحة من جوارحه، وهو وسيلة للتقرب إلى الله على الوجه الذى أمر به، بما يؤدي إلى ثمرة غالية هي التقوى، التي تتسق وتنسجم بها ومعها حياة الإنسان، بالإقبال على كل ما يُرضي الله، والابتعاد عن كل ما نهى عنه سبحانه وتعالى، ولذلك فقد كتبه الله أيضا على الأمم السابقة، كما أخبرنا في القرآن الكريم: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». البقرة:183،

ومن ثمَّ فهو معروف في الأديان التي سبقت الإسلام. وهذا الأمر من هذه الناحية جدير بالملاحظة، وجدير أيضا بالتأمل والتفكر والاعتبار.


الصوم ظاهرة فسيولوجية فطرية:
وإذا عرفنا أن الصوم عملية فسيولوجية تمر بها معظم الكائنات الحية، بشكل اختياري مهما توافر الغذاء في الطبيعة من حولها، وليس الإنسان فقط، لأدركنا أنه يمكن اعتبار الصوم سُنة كونية وظاهرة فسيولوجية فطرية، وليست مجرد عملية إرادية وتعبدية بالنسبة للإنسان وكفى، وعلى ذلك فهو ضروري لجميع الكائنات شأنه في ذلك شأن التنفس، والاغتذاء والنوم والحرك وهو يجدد شباب الكائن الحي، بل ويُطِيل من عمره، فهناك بعض الكائنات المفطورة على الصوم، وقد تصل مدة صومها إلى سبعة أشهر، أو ما يزيد على ذلك، استجابة لعوامل بيئتها الطبيعية التي أوجدها الخالق تبارك وتعالى فيها، والصوم بهذا ضروري لحياتها إلى الدرجة التي يمكن أن تلقى حتفها إذا ما عاقها عائق عن أدائه، واستمراره حتى تحسن ظروفها البيئية، وعندها يمكن أن تنشط وتتناول غذاءها مرة أخرى.

 

الصوم يُجدِّد الشباب ويطيل العمر:
أما قولنا إنه يجدد شباب الكائن ويطيل عمره فبيانه يسير، إذ تتم في جسم الكائن الحيِّ عمليتان كيموحيويتان متلازمتان، وذلك تحت الظروف الطبيعية من توافر الغذاء والتنفس، وإنتاج الطاقة وخلافه وهما: عملية البناء Anabolism، وعملية الهدم Catabolism.
أما العملية الأولى فتحدث بكثرة في المراحل المُبكرة «مراحل التخلق والنمو» من عمر الكائن، إلا إنها تتم أيضا طوال حياة الكائن الحي لتعويض الخلايا التالفة والمُسْتَهلَكة، وكذا عند استبدال وتجديد الجزيئات الحيوية المتهالكة، بل وعند تخزين بعض المُكوِّنات التي تُعد بمثابة مخزون احتياطي للجسم، أو تكوين بعض المركبات النفاوية Wastes، تمهيدًا لتخليص الجسم منها دون آثار جانبية سيئة على الجسم. أما العملية الثانية: وهى عملية الهدم فعن طريقها يتمكن الجسم من التخلص من الخلايا الهرمة والمريضة والشاذة في أنسجة الجسم المختلفة وكذلك عن طريقها يتم نقض الجزيئات المتهالكة، وهدم الجزيئات الغذائية المختلفة حتى يتمكن الجسم من الحصول على الطاقة اللازمة لاستمرار وظائفه ومن ثَمَّ حياته، وعلى ذلك  فالعمليتان ضروريتان للكائن الحي، وتحدثان في كل لحظة من حياة جميع المخلوقات، ولكن معدل حدوثهما ليس ثابتا وإنما يخضع لظروف الكائن الحي، فمثلا في أثناء فترات الجوع أو الصيام، في شهر رمضان أو غيره، يزيد مُعدل عملية الهدم لتزويد الجسم بالطاقة، وهذا من شأنه تمكين الجسم من التخلص من عناصره الفاسدة أو المتهالكة بسرعة وكفاءة بشكل يفوق مثيله في أثناء فترات الشبع، وبعد تناول الطعام عقِب الصيام أو الجوع فإن عناصر البناء تتوافر، فيُقبل الجسم على عملية البناء بمعدل مرتفع وكفاءة عالية.
والخلاصة أن الصوم يمنح الجسم فرصة ذهبية للتخلص من الأنسجة والخلايا والجزئيات الهرمة أو قليلة الكفاءة، ويعمل أيضا على منح الجسم فرصة لتجديد جزئياته الحيوية وخلاياه وأنسجته التالفة، ليقوم الجسم بوظائفه بشكل أفضل وكفاءة أكثر مما يساعد على تجديد الشباب وإطالة العمر الحيوي بقدرة الله تعالى.
هذا فضلاً عن أن بعض التجارب العلمية الخاصة بتجويع الحيوانات المختلفة قد أسفرت عن حياةٍ أطول لهذه الحيوانات مقارنة بمثيلاتها من الحيوانات التي لم تتعرض للحرمان من الطعام. وجدير بالذكر أن الأمم السابقة تركت من خلال التدوين والتسجيل ما يدل على قيام شعوبها بهذه الشعيرة الهامة وهي الصوم، فقد ذكر بعض المؤرخين المحدثين أن قدماء المصريين كانوا يتقون الأمراض بالمحافظة على صحة أجسامهم بالصوم والمقيئات واستخدام الملينات، وذلك لاعتقادهم أن الجزء الأكبر مما يدخل في الجسم من الطعام يزيد حاجته، وأن الأمراض تنشأ عن هذا الجزء الزائد عن الحاجة. ولهذا، فقد دعا حديثًا كثير من أطباء الغرب المتخصصين في الشئون الغذائية أن الإنسان بحاجة إلى جانب الغذاء الصحي والرياضة إلى الصوم كعامل مهم من عوامل تجديد الشباب، ذلك أن العادة الشائعة من تناول ثلاث وجبات من الطعام هي عادة غير طبيعية، في ظروف المدنية الحديثة، لأنها تؤدي إلى تحميل الجسم بمقدار زائد من المواد التي تضر به أبلغ الضرر. والجدير بالذكر أن وجود هذه المواد هو من أهم أسباب المرض، على الأخص مع الإفراط في الطعام والأغذية غير الصحية، وأن الصوم فترة ما يؤدي إلى إزالة هذه الزيادات الضارة بالجسم. وكلما اشتد الجوع بالصائم زاد احتراقها. وعندما تخلى أجهزة الإخراج وخاصة الكلى من عبء إفراز الطعام الجديد فإنها تكتسب القدرة على التخلص من جميع السموم المتجمعة في الجسم. وهذا هو التجديد الصحيح لشباب جميع أنسجة وأعضاء الجسم بما في ذلك الجهاز التناسلي. فمن الحق أن القوى الجنسية تجْمُدُ في فترة الصوم، بيْدَ أنها تنشط بعد ذلك نشاطًا غير معهود في عملية التجدُّد وإزالة السموم والنفايات، التى تترتب على الصيام. 

 
أهمية الغذاء:
يؤكد العلم الحديث على ما للطعام من أهمية بالغة في تكوين جسم الإنسان منذ ولادته، لما له من وظائف بنائية وفسيولوجية وحيوية، لا يمكن الاستغناء عنها بحال، ثم إن هذه الأهمية تزداد بتقدم العمر إلى أن يصل المطاف بالإنسان إلى مرحلة الشيخوخة، حيث يحتاج إلى أنماط ومقادير معينة من الغذاء، مما حدا بالباحثين والمتخصصين في علوم التغذية إلى الاهتمام بالغذاء من الناحية النوعية والكمية ومن حيث ملاءمته لمختلف الأعمار والأعمال والظروف الفسيولوجية كالحمل والرضاع، ومختلف الأمراض والأحوال الصحية والبيئية.
ومن الثابت أن أجسام بني الإنسان وسائر الكائنات الحية تتألف من خلايا عديدة، وكل خلية منها تمثل كائنا حيّا يحتاج في بقائه ونموه وصحته وقيامه بوظائفه إلى الغذاء. ومن ثمّ فقد أمرنا ربُنا- تبارك وتعالى- بأن نتناول الغذاء فقال: {وكلوا مما رزقكم الله حلالًا طيبًا} (المائدة: 88).
والمرء يستهويه الطعام اللذيذ وألوان الشراب المختلفة فيعُب منها، لا يبالى ما لبدنه وصحته عليه من حق، فليس كل طعام شهيّ صحيّ، ومن ثمّ فالاعتماد على أنواعٍ معينةٍ كالوجبات السريعة (التيك أواي) وما يشبهها، والتي تتركز بها عناصر من النشويات والدهون وأنواع معينة من البروتينات، ليست صحية بالمرة، فضلًا عن أن هذا النمط من الغذاء يصاحبه عادةً إغفال للخضروات، التي هي بالفعل صيدلية غنية بالفيتامينات والأملاح المعدنية، وكذلك الفواكه التي تتركز بها أيضا هذه العناصر الهامة، ولذلك قال ربنا في كتابه العزيز: {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولى النهى} (طه: 54).
فإذا استمر المرءُ على هذه الحال، أحد عشر شهرا كل عام، فليس ثمة بدٍ من أن يصاب ببعض الأمراض والانحرافات، في صحته وسلامته الجسمية، والتي تؤثر بالضرورة على صحته النفسية، وصفائه الروحي. ومن ثَمَّ فقد كان رمضان وقفة حكيمةً من لدن عليمٍ خبيرٍ، لرأب الصدع الذي أحدثه الإنسان بنفسه طوال العام، ولذلك قال ربنا  جلّ وعلا: {وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} (البقرة: 184)، وقال نبينا محمد  " صلى الله عليه وسلم" : «صوموا تصحوا».
أما من الناحية الكمية، فإن الإسراف في الطعام له أضرار وخيمة، بل ينجم عنه أمراض خطيرة كالسمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض الشرايين والقلب والبول السكري والنقرس والتهابات الجهاز الهضمي لاسيما المعدة، إلى غير ذلك من هذه السلسلة الطويلة من الأمراض التي ترتبط بالإفراط في تناول الطعام بمقادير تفوق حاجة الإنسان، ومن ثم فقد كانت توصيات حكماء الأطباء منذ القديم وحتى الآن هي الاعتدال في تناول مقادير الطعام، والتوصية بالصيام لفترات طويلة من الوقت، بل إن المسلم ليلمس ذلك بنفسه عندما يصوم رمضان فيأتي في آخر هذا الشهر الكريم وقد استراحت أعضاؤه وخفّ بدنه وصفت روحه، فكأنه بالصيام يداوي نفسه دون أن يتناول دواءً، فهو يتناول الطعام مرتين فقط وليس ثلاثا، وباعتدال دون إفراط، وهذه إحدى ثمرات اتباع منهج الله في قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} (الأعراف: 31)، وأما البيان النبوي فقوله  " صلى الله عليه وسلم" : «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع»، فإذا كان الأمر على ذلك في غير رمضان، فماذا ينبغي أن تكون عليه الحال في رمضان؟


لابد من مراجعة للنفس!
والواقع الذى لا يمكن إنكاره بحال أن الاستهلاك الغذائي يزيد بحلول شهر رمضان في ديار أمة الإسلام، فهناك تكالب على الطعام والشراب والإسراف بوجه عام، على النقيض مما ينبغي أن تكون عليه الحال، وعلى عكس ما هو متوقع في شهر يجب أن يجاهد الإنسان فيه نوازعه، ويكبح جماح شهواته، لتزكوَ نفسُه وتصفوَ رُوحُه.
فإذا كان الإنسان منا يستهدف من طعامه، بعد مرحلة البلوغ، إمداده بالمواد اللازمة لتعويض ما يتلف من خلايا جسمه، وتزويده بالطاقة الضرورية لمختلف أنشطته من بناء وترميم وحركة وإفراز إلى غير ذلك من وظائف حيوية لا تختلف في رمضان عنها في غيره من شهور العام، فإنه من التزيّد بل من الإسراف أيضا أن نجعل من رمضان فرصة لالتهام كل ما لذ وطاب، وشرب كل حلو ومُذاب، فهذه مشويات وتلك مقليات وأُخرى مُحمرات من الغذاء الدسم، إضافة إلى الحلويات من الفطائر والشطائر والعصائر من مختلف ألوان الشراب، إلى غير ذلك مما تضيق بها موائد الفطور والسحور، ويجعلنا نتساءل بكل موضوعية: أهو شهر صيام أم شهر شراب وطعام؟
تدلنا البحوث العلمية الخاصة بعلم وظائف الأعضاء أن الإنسان الطبيعي بعد تناول الطعام يمكنه اختزان ما يقرب من 450 جرامًا من المواد الكربوهيدراتية على هيئة نشا حيوانى (glycogen)، يتم استيعابها بشكل أساسى فى كل من الكبد والعضلات، وإلى حد ما فى بعض الأعضاء الأخرى. وهذه الكمية يمكن عند احتراقها تزويد الجسم بما يزيد عن 1800سعرٍ حراريٍ تكفي الإنسان لمدة تزيد عن 15 ساعة، هذا بخلاف ما يتضمنه جسم الإنسان من دهون يمكن أن تنهض لتزويد الجسم بالطاقة عند اللزوم، وذلك بعد نفاد المواد النشوية، وعادة ومع الغذاء المعتدل المتوازن، لا يلجأ الجسم لذلك، نظرًا لكفاية المواد الكربوهيدراتية، تحت هذه الظروف، للوفاء بالحاجات الطاقية energy requirements خلال تلك الفترة، التي لا تزيد عادةً عن أربع عشرة ساعة، فيما بين وجبتي الفطور والسحور. 
إن الإسراف الذى يتواكب مع رمضان، ورمضان منه برئ، ليس من مقاصده مطلقا. أما ما ينجم عن هذا الإسراف فيتمثل فيما يلي من مشاكل: مشاكل صحية (اعتلالات وأعراض وأمراض مختلفة ذكرنا بعضها) مشاكل اجتماعية (أشارت بعض البحوث إلى حدوث مشاكل أسرية، ومُشاجرات عائلية، بل وحالات طلاق من كثرة المطالب مع ضيق ذات اليد في هذا الشهر!) مشاكل اقتصادية (من ديون وقروض وبيع للمقتنيات بأقل من قيمتها، وارتباك مالي) مشاكل جمالية (نتيجة الإسراف في الطعام تحدث السمنة، التي تُشوِّه الجسم وتسبب الترهل، وفقدان الاتساق الحركي، والتوازن الجسماني).
ونحن في غنى عن كل هذه المشاكل باتباعنا تعاليم ديننا الحنيف، وفضلًا عن كل ذلك فهذه الطاعة عبادة، ولنا بها إن شاء الله تعالى أجر. ليتنا نفهم.. ليتنا نعى. فهذا الشهر الكريم فرصة ذهبية ليراجع كل منا نفسه ويُعدِّلُ من سلوكه، فنظفر بحب الله تبارك تعالى؛ لقوله: {إنه لا يحب المسرفين} (الأعراف: من الآية 31).


الصوم والصبر:
فالصوم يؤصّل في المسلم فضيلة الصبر، والإرادة، وقوة التحمل، ومن ثَمَّ يجعله أكثر قدرة على ضبط انفعالاته وردود أفعاله، وإكسابه مناعة ضد المعصية بشتى أنواعها، فيقوى بذلك على مقاومة شياطين الإنس وشياطين الجن ونوازع النفس، ولعل تلك بعض ثمار {لعلكم تتقون}  (البقرة: 183). ولذلك فقد تواترت أحاديث النبي  " صلى الله عليه وسلم"  لتؤكد هذا وتحفزه، وتحض عليه، حتى يخلص صيام المسلم من كل شائبة. يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم"  في هذا الصدد: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه الشيخان، وقوله  " صلى الله عليه وسلم" : «الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله فليقل»: إني امرء صائم (رواه الشيخان). وإذا كان صوم المرء على هذه الصورة الزكية النقية فمن كرم الله وفضله أن يعده بالغفران والرضوان، يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا فقد غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه الشيخان). أما الحديث القدسي الذى تقدم ذكره، والذى يفيد بأن الصوم لله تبارك وتعالى، ومن ثم فإنه متروك لكرمه سبحانه ليجزئ به، فهو حقا نيشان على صدر المسلم الحق.
أما من الناحية الفسيولوجية: فإن الصبر والهدوء يكبحان جماح الغدد الصماء، لاسيما غدتي الكظر، فتعتدلان في وظيفتيهما ولا تطلقان هرموناتهما، خاصة هرمون الأدرينالين Adrenalin الذى يؤدي عند الغضب إلى ثورة عارمة في الجسم (جسم الإنسان وجسم الحيوان) تقلب الأمور رأسا على عقب، ومن بين هذه التأثيرات: ارتفاع ضغط الدم، وزيادة معدل ضربات القلب، واتساع حدقتي العينين، وارتفاع نسبة سكر الدم، وزيادة تركيز الأحماض الدهنية بالدم. وكل هذه التغيرات تطلق العنان لتفاعلات هائلة في الجسم من شأنها زيادة الانفعال، وتفاقم حالة الغضب والهياج، مما يؤدى في النهاية إلى افتقاد التروي، الأمر الذى يؤدي إلى عدم اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، بل على النقيض من ذلك تؤدي هذه الحالة إلى ردود أفعال غير محسوبة العواقب، قد تفضي في أغلب الأحيان إلى الندم الذى لا يجدي أو يفيد، وقد يصاب المرء تحت هذه الظروف بارتعاش اليدين والشفتين، وتلعثم في الكلام إضافةً إلى ما سبق ذكره من أعراض، ولذلك يشير علم النفس الإكلينيكي الحديث، على الأشخاص الذين يعانون من هذه الأعراض، أن يواجهوا المواقف الصعبة والمخاوف المزعجة بمعدات خاوية.
أما الصوم، وما يطبع الإنسان عليه من صبر وهدوء ودعة، فيؤدي إلى تنظيم عمل الغدد الصماء وإطلاق هرموناتها ومن بينها هرمون الأدرينالين سالف الذكر، ولذلك فقد أمرنا بالصبر تارة، وجاء ثمرة من ثمار صوم رمضان تارة أخرى، فهو دواء لأدواء كثيرة، بل إنه الدواء الذى يكفل الوقاية من الوقوع فريسة لأدواء وأمراض اجتماعية ونفسية وخلقية، وهو أيضا (فيتامين) الطاعات المختلفة، يعين عليها، ويكفل للمسلم النصر فى مواجهة الشيطان، ولذلك يقول النبي  " صلى الله عليه وسلم" : «الصوم نصف الصبر والصبر نصف الإيمان»، وبهذا فإن تعوّد المسلم عليه يضمن له مسافة هائلة إلى منتهى الإيمان، ورمضان بذلك فرصة عظيمة للتدريب والتمرين والتعود على هذه الخصلة النبيلة، والقيمة الإيمانية العالية. والمؤمن الكيس لابد له من أن يُعْمِلَ فكره ليفطن إلى أمور لا يدركها غيره، فالمؤمن يرى بنور الله، ولديه من الشفافية وقوة الحدس والفراسة ما يجعله ذا نظرة ثاقبة، تخترق القشور لتصل إلى اللباب، وجواهر الأشياء. وعلى هذا النحو فهو إذا نظر إلى صبره واحتماله الجوع والعطش وغيره مما أحل الله في غير رمضان، أفلا يكون الأَوْلى له أن يصبر على ترك العادات الضارة، في رمضان وغيره من شهور العام؟