نحن شباب تحت العشرين من يخاطبنا؟

 

السنوسي محمد السنوسي

14/2/2013

 

في لعبة "كرة القدم" يوجد تصنيف للاعبين حسب مراحل عمرهم المختلفة؛ فيبدأ الشاب- في معظم الدول- بالالتحاق بمدرسة الكرة تحت سن 12 سنة، ثم يتدرج في فريق الناشئين تحت 14سنة، ثم تحت 16 سنة، ثم تكون الانطلاقة الكبرى مع فريق الدرجة الأولى فوق 18 سنة.  175.jpg

هذا التصنيف في "كرة القدم"- وهي في الأول والأخير "لعبة"!- يدل على ترتيب منطقي يراعي الحالة النفسية والجسدية للإنسان.. لكننا وللأسف قد لا نجد لهذا التصنيف نظيرًا في خطابنا الدعوي؛ على الرغم من الفرق الشاسع بين المجالين!!

بمعنى أن الداعية وهو يلقي محاضرته أو درسه- سواء في المسجد، أو عبر الفضائيات- لا يضع أمامه نوعية الشريحة التي يستهدفها بخطابه؛ هل هو يخاطب العامة، أم المتخصصين؛ الأطفال، أم الفتيان الناشئين، أم الشباب، أم الكهول؟

**     **     **

وإذا اتفقنا أنه يمكن تصنيف المراحل العمرية المختلفة، على هذا النحو بصورة إجمالية؛ فمن المهم أن نشير إلى أن لكل مرحلة خصائصها الفكرية والنفسية، التي تختلف تمامًا عن سابقتها ولاحقتها.. و لذلك من المهم أن يتوزع الخطاب الإسلامي تبعًا لذلك.

فالموضوع الذي يناسب مرحلة ليس بالضرورة يناسب أخرى، واللغة التي تفهمها فئة قد تختلف كثيرًا عن غيرها.و هنا يبرز السؤال .. نحن كشباب تحت العشرين .. من يخاطبنا بلغتنا ؟؟

 إن الدعاة والكتاب المتواصلين مع المجتمع مُطالَبون بمراعاة مضمون الخطاب (الموضوعات المتناولة)، ومراعاة شكله (اللغة المستخدَمة).

لكن ما نراه، أن معظمهم ينطلقون في خطابهم كأنهم يتحدثون لمتخصصين في العلوم الشرعية، أو كأنهم يتحدثون إلى الملتزمين فقط! أو كأن خطابهم موجَّه لكل الناس، دون الأخذ في الاعتبارِ الفوارقَ الطبيعية بين كل شريحة وأخرى.. بل تبدو شريحةُ الشباب- خاصة دون العشرين- عند كثير من الدعاة شريحةً مهملةً، إنْ لم تكن ساقطة بالكلية!

لقد خصصت شريحة الشباب تحت العشرين بالذكر في هذا المقال؛ لأنها شريحة لا تزال في مرحلة التكوين النفسي والعقلي، وهي أكثر قابليةً للتأثر بالأفكار، ومن السهل مخاطبتها عن طريق العواطف والغرائز.. إلى غير ذلك من صفات تختص بها دون غيرها؛ وبالتالي، فإن الاهتمام بها يجب أن يكون أكبر.

لكننا تركنا شبابنا تحت العشرين للسيل الهادر من البرامج الفضائية، ومواقع الانترنت، ومغريات وسائل الاتصال الحديثة؛ تلتهم وقته، وتشوش عقله وقلبه بما تحمله من أفكار ومفاهيم وقيم، تبدأ في التسرب إليه رويدًا رويدًا؛ لتراكِم عنده بعد ذلك قناعات راسخة يصعب تصحيحها.

لو أراد المرء أن يبحث عن عدد الدعاة الذين يخاطبون هذه الشريحة بعمق، ويتواصلون معها بذكاء؛ فلربما أعياه البحث في الوصول بعددهم إلى أصابع اليدين!!

**     **     **

لقد أحسنت مجلة "الوعي الإسلامي" حين أطلقت موقعها "الوعي الشبابي"، لمخاطبة الشباب.. وأرجو أن يكون خطوة جادة على هذا الطريق الذي أُهمل كثيرًا.

الشباب هم ثروة الأمم، وحاضرها المتفجِّر، ومستقبلها الآخذ في التشكُّل.. وويل لأمة تهمل حاضرها، وتغفل عن المستقبل.. هي إلى الركود أو الموات الحضاري، صائرة لا محالة!

نحن قد نحسن سَرْدَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تُعلِي أهمية الشباب، وتُعظِّم دوره.. لكننا لا نرى أثرًا عمليًّا مترتبًا على ذلك؛ لاسيما في برامجنا التربوية، والإعلامية، والثقافية.

حاضرنا بعيد عن تجسيد ثقافتنا الإسلامية في هذا الموضوع البالغ الأهمية.. وعن الارتباط بتاريخنا الذي كان للشباب دور بارز في مواقفه ومعاركه الحاسمة؛ من أسامة بن زيد وحتى محمد الفاتح.

تركنا الساحة لغيرنا؛ فملأها بحديث الغرائز، وسِحْر المفاهيم الخدَّاعة الجوفاء!

اكتفينا بالشكوى من الأجيال التي تغيَّرت؛ ولم ندرك أنها تغيرت بإهمالنا، وعجْزِنا عن مخاطبتها باللغة التي تفهمها، وبالموضوعات التي تشغلها.

لكن الفرصة للاستدراك مازالت قائمة والحمد لله.. وينبغي أن نسارع، ولا نطيل الإبطاء.

وفي هذا المقام، أقدم تحية واجبة لـــ "الوعي الشبابي"- ومن قبلُ لـــ "الوعي الإسلامي"- على تلك المبادرة العملية المهمة على طريق استعادة شبابنا، وتفعيل دورهم وطاقاتهم.