ماذا يقرأ الشباب ؟

 

تحقيق: خالد محسن الحارثي

26/6/2013

عند المساء.. كنا نلتف حول جدتي لتحكي لنا حكاية «العفريت الأحمر» و«أبو رجل مسلوخة».. وشيئًا فشيئًا نجد أننا نسحب أرجلنا لنضعها فوق الكرسي حتى لا يلتهمها العفريت. يعترينا الخوف تارة والإثارة تارة أخرى، ولا نمل أبدًا من حكاية العفريت، هكذا كانت ثقافة أطفال زمان 26-6-2013.jpg   .

لم تكن هناك وسائل إعلام متقدمة، لم يكن هناك تلفاز ولا فيديو ولا كمبيوتر، ولا «دش».. الخ، لم نكن نعرف القراءة بعد  .

ويكبر الصغير ويجيد القراءة، ويشتري من الكتب ما يستطيع، ولكن المصاب بالداء لا ينساه.. نرجع دائمًا لثقافة العفاريت، والمشكلة اليوم ليست ثقافة العفاريت، ولكن هناك شرخ في جدار الثقافة العامة.. زيارة واحدة لأحد معارض الكتاب الدولية، والتي تقام سنويا بطول الوطن العربي، ربما تعطي صورة واضحة، ماذا يقول الشباب والناشرون وشركات الطباعة والمؤسسات الصحفية المشهورة ومنافذ بيع شرائط الكمبيوتر وتعلم اللغة؟! بل أيضا وباعة كتب الأزبكية؟

ما مدى إقبال الشباب على الكتب؟ وعلى الساندويتشات؟ ما مدى اهتمام الزائرين بالتقاط الصور التذكارية مع «بطوط وميكي ودبدوب»؟ تلك العرائس المتجولة بالمعارض، وما مدى اهتمامهم بحضور الندوات والمناظرات؟

ستجد المقارنة غير عادلة بين الكتب والساندويتشات! لكنها مقارنة تفرض نفسها من خلال قضية نطرحها للمناقشة، قضية تتلخص في سؤال واحد.. هل نحن شباب مثقف؟  !

يقول محمد عطاالله (أحد الباعة بسور الأزبكية): أغلب الكتب التي تجد رواجًا اليوم هي الكتب التي تتحدث عن العفاريت وعالم الجن وقراءة الكف والأبراج.. وربما يرجع ذلك لمدى التشويق في المادة المعروضة، وبخاصة أن هذه المادة تباع بأسعار زهيدة بالمقارنة بكتب السياسة والأدب، لذلك أيضا نجد أن جمهور هذه المادة هم من الطبقات الشعبية الفقيرة  .

يضيف رجب شلبي (بائع): أكبر مؤشر على تراجع الثقافة الحقيقية للشباب هو تراجع نسبة مبيعات كتاب «قصة الحضارة» وهو مكون من 42 جزءًا ويعتبر ثمن الجزء الواحد زهيدا جدًّا، هذا الكتاب يتعرض بالشرح لجميع العصور والحضارات الشرقية والغربية والرومانية واليهودية والقبطية والإسلامية، وقصص الغزوات والحروب وقيام الدولة وتطور القوى الدولية.. للأسف الشديد أصبح المقبلون على شراء هذا الكتاب فئة تنحصر في أساتذة الجامعات والمعيدين وطلبة الدرجات العلمية كالدبلوم والماجستير والدكتوراه  .

عبدالسلام الشاعر (مكتبة عالم الفكر): نظلم الشباب إذا قلنا: إن مستوى الثقافة يتراجع بشكل ملحوظ، حيث تنحصر أهم مشترياتهم في القصص البوليسية والمغامرات والكتب السطحية والصغيرة الحجم، وبتعبير أكثر دقة يمكننا القول إن سوق الكتاب يعاني ركودًا شديدًا بسبب الاهتمام بالثقافة السهلة المطروحة من خلال الصورة المرئية والكمبيوتر والنت  .

علي الحاكي (صحفي): يرجع انخفاض نسبة شراء الكتب إلى ارتفاع سعر الورق، والذي يؤثر بشكل مباشر في أسعار الكتب.. ولكن رغم كل المعوقات في سوق الكتاب، فإننا لا ننكر وجود نسبة كبيرة من المهتمين بشراء كتب الأدب السياسي الساخر وأدب الرحلات.. فالكثير من الشباب يرغب في اقتناء المعلومة ولكن بشكل خفيف وظريف ومشوق، وهذا ما ينجح في تنفيذه بعض الكتاب أمثال «محمود السعدني» و«أحمد رجب  ».

سناء الشهاوي (الشرقية للمطبوعات): لا نجد إقبالا من الشباب على شراء الموسوعات، حيث تنخفض تماما نسبة المبيعات في هذه الفئة من الكتب، لكن كثيرًا ما نجد رب الأسرة يسعى لاقتناء تلك الموسوعات كنوع من إثراء مكتبة الأسرة  .

محمد مصلحي (تكنولوجيا المعلومات): لا يوجد إقبال من الشباب على المترجم الناطق، لكن الإقبال يكون من بعض الشركات أو المؤسسات، وربما يرجع ذلك إلى قلة اهتمام كثير من الشباب بالنواحي الثقافية، وعدم رصد ميزانية خاصة لشراء الكتاب أو تنمية معرفته بلغة معنية  .

محمد يوسف (دار المعارف): هناك إقبال شديد من الشباب على الكتب الدينية.. أما المرأة فتركز اهتمامها على شراء كتب الطهي والعناية بالمنزل، وهذا ليس على سبيل التعميم، فيوجد من النساء من يقبلن على مصادر الثقافة العامة وفي مجال الأسرة وتربية الأبناء  .

زينب عثمان (هيئة الإذاعة): من الملاحظ إقبال الشباب على تعلم اللغات الأجنبية وبخاصة الانجليزية، ولكن لا يكون ذلك بناء على خطة يضعها الشاب لتثقيف ذاته، أو لقراءة الأدب العالمي، أو الانفتاح على صحافة الغرب، لكنه يسعى لتلك المعرفة عندما يجد أبواب الوظائف مغلقة أمامه، ويجد أن السبيل الوحيد لفتح تلك الأبواب هو التعرف على لغة أجنبية، ومحاولة إتقانها سعيا وراء وظيفة مناسبة  .

يحيى إسماعيل (إحدى شركات الكمبيوتر): لا نستطيع القول اننا بصدد محو أمية الكمبيوتر في الوطن العربي.. ربما سنأخذ بعض الوقت، بسبب عدم تزايد الإقبال على شراء الكمبيوتر بمعدل منتظم، فعملية الشراء من فئة الشباب تزداد جدًّا وكذلك ترتفع بالنسبة لأولياء الأمور المهتمين بتثقيف أطفالهم .

ماجدة الشربيني (كلية الآداب): للأسف الشديد يفضل الشباب اليوم رؤية الكتاب معروضًا على شاشة التلفاز أو السينما في شكل فيلم مسل يضم الأغنية والموقف والضحكة ويوفر الاسترخاء، لم يعد الشباب يتحمل عناء الجلوس أمام كتاب «يحلق» في كل صفحاته وهو منفتح الذهن لم يعد يملك القدرة على الجلوس أمام كتاب خارج المنهج الدراسي.. والنتيجة تراجع الوعي الثقافي.

رضا رياض (كلية الطب): لا أستطيع إنكار اهتمامي بالكتب الطبية أكثر من الفروع العلمية الأخرى.. وذلك بحكم تخصصي، لكني لا أهمل اقتناء الكتب الدينية ووسائل تعليم اللغة، أما إذا تناولنا القضية بشكل عام فعلينا أن نلتمس العذر قليلا للشباب.. فثورة المعلومات تتهمه في كل لحظة بأنه مقصر في المعرفة.. مقصر مهما وصل حجم قراءاته.

وعلى سبيل المثال إذا كان احدنا يهتم بالطب مثلا.. فعليه أن يطالع كل القديم وهذا يحتاج أعمارا أخرى على عمر الإنسان، ثم يصل إلى ما يطرحه القرن العشرون والقرن الواحد والعشرون، ويتابع الدوريات الطبية التي تصدر بلغات مختلفة تصل إلى العشرات، ويشتري بمئات الألوف من الجنيهات مجلات متخصصة! وهكذا الحال في الأدب والسينما والسياسة.

ولكن هذا لا يعني إهمال الثقافة العامة والخاصة، أو إهمال القراءة التي تعطي الشباب دورًا ايجابيًّا في حياته، فبقدر ما يعرف الشباب بقدر ما تكون قيمته عند التقدم لوظيفة، أو الارتقاء في عمله أو التقدم إلى عروسة، أو تربية أطفاله.. بقدر ما يعرف بقدر ما يكون وعيه عند شراء الخبز والخضر والصحيفة الصباحية، وكذلك بقدر ما يعرف يقدره الناس والمثقفون.