عندما يعترض الهواة

د. مسعود صبري

16/4/2013

تفاجأت بعض الدول العربية باحتجاج شبابي من نوع جديد، وهو رقصة غربية تعرف باسم  "هارليم شيك"  ، خاصة في بعض دول ما بات يعرف بالربيع العربي.

وقد ساهم في انتشار تلك الرقصة أن أداءها لا يتطلب رشاقة أو براعة محددة، ولغتها موسيقى صاخبة ومدتها قصيرة مما يسهل أداؤها وتسجيلها ونشرها  عبر شباب الإنترنت.

وتمثل هذه الرقصة نوعاً جديداً من الاحتجاجات التي تعد غريبة على المجتمعات المسلمة؛ فهي مأخوذة من الغرب، وقد ظهرت بقوة على موقع اليوتيوب من شبان في استراليا شهر فبراير 2013م.

 17-4-2013.jpgالمعارضة في الإسلام

والمعارضة أمر مشروع في الإسلام، وقد وجد في صدر الإسلام بعض التصرفات التي تصنف ضمن مفهوم المعارضة، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه:

قال عمر بن الخطاب: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً ؟ قال : بلى .

قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى .

قلت : فلم نُعطى الدنية فى ديننا إذن ؟

قال : إنى رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.

وقد اعترض بعض الصحابة على تقسيم غنائم هوازن وغطفان فتشاور النبي صلى الله عليه وسلم معهم وبين لهم مراده فرضوا.

وسجلت السنة حالات متعددة فيما يصنف ضمن مفهوم المعارضة.

فأصل المعارضة موجود، ومقصود المعارضة في دولة الإسلام هو التنبيه على الأخطاء التي يقوم بها الحاكم، والنصح له، وتصويب مسيرته، وبيان ما قد يخفى عنه، حتى لا تتحقق المفسدة للشعب، وعونه على البقاء على الطريق الصحيح للمعارضة، فهي تساعد الحاكم بشكل غير مباشر.

ولكن الأخطر هنا في المعارضة الشبابية وغيرها هو غياب المعايير الأخلاقية وانتهاج بعض الوسائل التي لا تصب في مقصود المعارضة الحقيقية، فالمعارضة بالرقص أمر لا جدوى منه، وهو غريب عن مجتمعاتنا وأعرافنا، كما أن فيه بعض المحاذير الشرعية التي يجب اجتنابها، خاصة أن رقصة "هارليم شيك" تؤدى وفيها الكثير من الإيحاءات الجنسية المحرمة شرعا، وغير المقبولة عرفا، والغريبة عن طبيعة مجتمعاتنا، مما يشوه صورة المعارضة، ويجعل كثيرا من الناس يعرضون عن مطالبهم التي قد يكون لها وجه من الحقيقة، فالمعارضة بالرقص محرمة شرعا، وهي تسيء للمعارضة أكثر مما تخدمها، وتضيع جهودا نحن بحاجة إليها، ولكن ليست بهذه الطريقة.

إن مما يترتب على الاحتجاج بالرقص الجماعي إشاعة الفاحشة بمفهومها العام في المجتمع، وتردي الأخلاق من خلال انتشار مثل هذه الرقصات خاصة في أوساط الشباب، والإسلام يدعو إلى نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وقد ضرب الله تعالى مثلا لتصحيح أخطاء المجتمع في حادث الإفك التي اتهمتم فيه السيدة عائشة – رضي الله عنها- فعقب القرآن عليه فقال: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور: 15 - 20].

ففيه تنبيه إلى أن هناك من الأمور ما قد يظن أنها هينة، لكنها عند الله عظيمة، وهو من باب التحذير والتنبيه.

والقول بأن احتجاج الشباب عن طريق رقصة "هارليم شيك" ينهى عنه شرعا، لا يعني ترك المعارضة، كما أنه لا يعني الحكم على صواب وخطأ المتنازعين والمختلفين من أبناء الوطن ، فذاك مجال آخر، وإنما هو بيان لخطأ الوسيلة المستخدمة، وأن نوجد البدائل التي تصب في خدمة الوطن بما يرضي الله تعالى ويجلب النفع لشعبنا وأمتنا، ويحفظ شبابنا من شر التبعية العمياء التي نهي عنها شرعا، كما أخرج أبو داود  قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبَّهَ بقوم فهو منهم»، والإسلام يدعو إلى تميز الشخصية المسلمة مع الاستفادة من كل الخبرات والتجارب من غيرنا، لكن مع الحفاظ على هويتنا كما قال سبحانه: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا } [البقرة: 148]