القرار المكين.. أول بيت يسكنه الإنسان

 

د. يحيى سنبل

27/1/2013

 القرار المكين أو الرحم هو أول بيت يسكنه الإنسان، يدخله وهو بذرة صغيرة لا تراها العين المجردة، حيث يجد الراحة والدفء والسكينة، ويخرج منها طفلًا صغيرًا.. وبين البذرة والطفل الصغير مراحل متعددة، وحياة عجيبة داخل هذا البيت العجيب، بيت من اللحم والدم والغدد، ثابت في موضعه رغم الزيادة الكبيرة في حجمه ووزنه أثناء الحمل. وقد لفت القرآن الكريم الأنظار إلى الرحم وسماه القرار المكين: _____________..______________________.jpg   {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ} (المرسلات: 20-23) فهل لنا أن نقترب من هذا القرار المكين، ونتأمل في بنائه وهندسته ومعماره لنرى العجب. يقول د.رومينز أستاذ التشريح بجامعة إدنبرج: الرحم عضو عضلي يابس سميك الجدار ذو تجويف ضيق محاط بغشاء مخاطي (بطانة الرحم) مرتبط بشدة بالطبقة العضلية. تحتوي بطانة الرحم على غدد أنبوبية بسيطة تصل إلى الطبقة الداخلية من العضلات. في جسم الرحم تحدث تغيرات دورية للباطنة يتم حثها بواسطة هرمونات المبيض، وإذا لم يحدث الحمل فإن كل دورة تنتهي بتدفق دم الحيض menstruation نتيجة انهيار ودفع الطبقة الخارجية من بطانة الرحم التي ازداد سمكها ثم يعاد بناؤها حيث ينمو نسيج طلائي epithelium جديد من قواعد الغدد لتغطي سطحه الداخلي. إنه بيت يتمتع بالحياة والتجديد المستمر، ويتغير فرشه كل شهر. يقول د.نجيب محفوظ أستاذ علمي الولادة وأمراض النساء بجامعة القاهرة: طول الرحم والعنق من الظاهر عند من لم تلد 7 سنتيمترات ونصف. وطول التجويف العمومي 6 سنتيمترات ونصف منها 4 سنتي طول تجويف الرحم، وسنتيمتران ونصف طول تجويف العنق. وأكبر عرض للرحم هو في محل اتصال البوقين (قناتي فالوب). وأكبر سمك هو في منتصفه حيث يبلغ من 2 إلى 2.5 سنتي، ووزنه من 30 إلى 40 جراما تقريبا، أما رحم الحامل فعند تمام الحمل فيبلغ وزنه من 700 جرام إلى 1400 جرام تقريبا. إنه عش صغير هادئ، يتغير وزنه وحجمه بدرجة كبيرة، ويستوعب الإنسان وهو جنين في جميع مراحله، ويوفر له مقومات الحياة.

والرحم الذي يتكون من جسم body وعنق cervix، يتكون جداره من ثلاث طبقات: طبقة مصلية خارجية، تليها طبقة عضلية، تليها بطانة الرحم، وللرحم وضع تشريحي حيث يقع خلف المثانة، وعندما تكون المثانة فارغة فإن الرحم يكون منحنيا للأمام anteversion بزاوية قائمة مع المهبل ومع الفتحة العلوية للحوض الأصغر lesser pelvie. أيضا نجد جسم الرحم مثنيا لأسفل downwards بدرجة قليلة (antef lexion) عند المنطقة التي تصل بين جسم وعنق الرحم وتسمى البرزخ isthmus، علمًا بأن عنق الرحم أكثر تيبسًا، وأكثر غنى بالأنسجة الليفية. وهكذا نجد بناءً هندسيا حكيما للرحم، لا يتوقف عند هذا الحد بل نجد جسم الرحم في حضن طبقتين من الغشاء البريتوني اللتين تكونان الرباط العريض broad ligament، وبين طبقتي الرباط العريض يتحرك جسم الرحم بحرية. وعندما تمتلئ المثانة يرتفع الرحم لأعلى، وقد يُدْفع للخلف حتى يصبح في خط واحد مع المهبل عندما تمتلئ المثانة تمامًا، وفي هذه الحالة يقال إن الرحم أصبح منحنيا للخلف retroverted. في بعض الحالات المرضية يكون الرحم منحنيا للخلف بصفة دائمة، وقد ينثني للخلف على نفسه عند البرزخ وتسمى هذه الحالة بالانثناء للخلف retrof lexion.

وهناك أربطة كثيرة أخرى تثبت الرحم في مكانه لنرى دقة الوصف الذي وصفه به الخالق - عز وجل - وهو: القرار المكين. فهناك الرباط المبروم round ligament، ورباط المبيض، ورباط عنق الرحم المستعرض، والأربطة الرحمية العجزية والأربطة الرحمية المثانية، وعندما نتأمل في نظام وترتيبات كل هذه الأربطة!! نجد أنها تعمل على ثبات عنق الرحم في موضعه وتسمح بتمديد جسم الرحم لأعلى أثناء الحمل.

وعندما نتأمل في عنق الرحم نجد أنه يمتد إلى داخل المهبل ما يؤدي إلى وجود تجويف بينه وبين جدار المهبل، كما نجد أنه مبطن بغشاء مخاطي به ثنيات تجعله يشبه «جريدة النخل» Plicae palmatar أو ريشة الدجاج وهو ما يسمونه «شجرة الحياة» وهذا موجود في عنق الرحم في المرأة التي لم تلد. أما عن خواص الرحم فيقول الدكتور نجيب محفوظ: للرحم أربع خواص: الإحساس والانقباض والتمدد والمرونة (الانكماش). فالانقباض لا يظهر بوضوح إلا في الحمل المقتدم، وخاصية التمدد تظهر طوال مدة الحمل، أما الإحساس فلا يظهر إلا في آخر الحمل وفي مدة الولادة والنفاس ولا يظهر الانكماش إلا مدة الولادة والنفاس. إنه التقدير والتدبير، كما قال الله - سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49).

- أما البوق أو قناة فالوب أو الأنبوبة الرحمية فطولها حوالي عشرة سنتيمترات وتمتد جانبيا من منطقة الاتصال بين قعر fundus وجسم الرحم في اتجاه الجدار الجانبي للحوض وتتسع (ampulla) ثم تنحني على نفسها تجاه المبيض وسطيًا لتنتهي بشكل قمعي، هذا القمع يفتح في التجويف البريتوني، ويكون محاطًا بأهداب Fimbriae، أحد هذه الأهداب أو أكثر متصل بالمبيض ويسمى «الهدب المبيضي».

يقول د.وليام جانونج أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة كاليفورنيا: «في الإنسان، تلقيح البويضة بالحيوان المنوي يحدث عادة في الجزء الأوسط من الأنبوبة الرحمية، ملايين الحيوانات المنوية تستقر في المهبل أثناء الجماع، لكن فقط 50-100 منها تصل إلى البويضة».

في قناة فالوب يحدث تلقيح البويضة التي تتحرك لتنطمر في بطانة الرحم، وتحدث أطوار الخلق في الرحم.. أول بيت يسكنه الإنسان.

 

 

المراجع: القرآن الكريم

1- د.نجيب محفوظ، فن الولادة، دار المعارف بمصر، 1957م، الطبعة الرابعة.

2- Ganong.william f. Reveiw of medical physiology 15 th edition . 1991, Appleton lange.

3- Romanes, G.J. Cunninghams manual of practical anatoy, volume2, 1986, oxford university press.

4- البعلبكي، منير ود. رمزي منير، المورد الحديث، 2008 دار العلم للملايين.