أسير الجَمال..

سلمان الكندري

كاتب ومدرب معتمد في التنمية البشرية

النفس البشرية التي خلقها الله تبارك وتعالى، وفطر فيها عشق المناظر الجميلة والألوان الزاهية الهادئة والأشكال الهندسية المتناسقة..  salman.jpg  ودورة الطبيعة الساحرة تجعل الإنسان يحلق في آفاق الجمال فعلا، فعندما تشاهد شروق الشمس وهي ترسل أشعتها الذهبية في الآفاق وتصافح البحر، فتغرد الطيور وتتفتح الزهور بألوانها الناصعة، وتنتقل الفراشات بين الأزهار بألوانها المتناسقة التي تدل على إحكام الصنعة، وتظل الشمس تخترق الغيوم بسهامها فتفرش المروج الخضراء، وحين تغرب تتلون باللون البرتقالي والأحمر.. تودع بحياء، فهي كصور جمالية كونية لها طابعها الخاص لأصحاب الإحساس المرهف ورقاق العواطف.

والرسام حين يضع لمساته الفنية بريشته المخملية بعد تفكير عميق وإحساس لطيف، فتمتزج أحاسيسه بجمال الطبيعة ليخرج لوحة فنية تستريح النفس لجمالها، وتهفو القلوب لحسنها، والتصوير ليس عن ذلك ببعيد، وفيها من اللمسات الجمالية ما يضيف لرصيدنا الفني الذوق الرفيع، فتصوير جمال الطبيعة بعدسة مخصصة وبحساسية معينة للضوء، وبزاوية محسوبة لتحصل على صورة فنية تحدثك عن التناغم بين ألوان الطبيعة الزاهية.

كذلك الزخرفة والفن الإسلامي له سحره، لتمييز حضارتنا عن باقي الحضارات، والمسلم يعتز بحضارته العظيمة، كالقصور الأندلسية العريقة وحدائقها الغناء ومساجدها التي أضيف لها بصمات هندسية إسلامية تنبئ عن شموخ هذه الحضارة

 

27-8-2013b.jpg

وكما يقول الداعية محمد أحمد الراشد «الفن الجاهلي يتلاعب بالناس اليوم، ولا يقلل أضراره غير فن إسلامي مقابل يزاحمه».

وكذلك يشير في كتابه آفاق الجمال لبعض الرموز والدلالات من الفن الإسلامي ما يأسر القلوب منها:

1 ـ الهلال: حتى أضحى شعار الإسلام منذ اختارته الدولة العثمانية لبيارقها.

2 ـ البدر الكامل المستدير: يشير للتمام والوضوح والاستبشار والنفس المطمئنة.

3 ـ الشمس المتوهجة: مكمن الحرارة العاطفية وانتهاء ليل المحن.

4 ـ المحراب: معتكف القانتين ومنزل الصالحين وفي تجويفه الأصم ينقطع الطريق على الشيطان.

5 ـ المنبر: رمز الاستعلاء والاستعلان.

6 ـ المنارة: تترجم الكبرياء وتنطلق منها تحديات التكبير.

7 ـ القرآن: يشير إلى كتلة الحق وتميزها واستقلالها.
هذه الدلالات الجمالية تلامس أفئدة المرهفين، وتزرع فيهم حب الجمال في اللاشعور، وتنشئ الأجيال على حب الجمال والذوق والفن، وبإضافة هذه الرموز نستطيع أن نحتفظ بفننا الإسلامي.

كذلك مشاهدة الجبال بشموخها لا تهزها الزلازل ولا تثنيها الرياح لهي صورة بديعة تترجم لسلوك إنساني وهو الثبات على المبدأ، ورغم هذا الشموخ تتذكر قصة موسى عليه السلام عندما تجلى ربه للجبل {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا}

«إذا كنت في أيام الطبيعة فاجعل فكرك خاليا، وفرغه للبث والشجر والحجر والمدر والطير والحيوان والزهر والعشب والماء والسماء ونور النهار وظلام الليل، حينئذ يفتح العالم بابه ويقول: ادخل». مصطفى صادق الرافعي.

 

فهذا التجانس بين المناظر الساحرة في الطبيعة والعواطف الإنسانية الجياشة يجعل الإنسان يفتح قلبه وروحه لهذا العالم الواسع الجميل، ويجعل النفس تعبر عن مكنوناتها الجمالية، فلا يملك الإنسان بعدها إلا أن يصبح أسيرا للجمال.