لا  تتبع خطواتي

 

خلف أحمد محمود أبوزيد 

   15/12/2012

 

هناك مقولة للأديب والشاعر الألماني الكبير جوته، تقول: "كن رجلًا ولا تتبع خطواتي"، ولو أننا أنعمنا النظر في كلمات هذه المقولة، نجد أنها تتضمن الكثير من المعاني السامية والأفكار الراقية، التي أراد جوته بها أن يضيء عقولنا، بأن يحررنا من طوفان التبعية التي يمكن أن نقع فيها تحت تأثير الإعجاب بفكره والتأثر بآرائه،  من أجل أن يكون لكل إنسان منا شخصيته المستقلة، وذاته المتفردة، ورأيه الحر، الذي يحمل بصمة صاحبه النابعة من ذاته، ذلك لأنه يدرك تمام الإدراك بأن لكل كاتب إيحاءاته وإشاراته الخاصة، التي لا طاقة للقارئ بالتخلص منها والنجاة من تأثيرها، وأن له أيضًا إيعازا ته التي  تتسلل إلى العقول وتندس في الوجدان،   135.jpg  من حيث لا يدري القاري، ولكن على هذا القارئ في نفس الوقت أن ينشد الاستقلال بأن يمتطي صهوة الفكر الحر الذي يحمل ملامحه اللصيقة به، قبل الوقوع في فخ التبعية وشرك التقليد الأعمى، الذي يجعل من الإنسان مجرد بوق يردد فكر غيره، ليصبح في النهاية جسدًا بلا روح، يعمل عمل الآلات الجامدة لا عمل النفوس الحية الشاعرة، التي تحمل بذور الإبداع وتتطلع دائمًا إلى الفكر الأصيل النابع من ذات الإنسان المتفردة، التي تنفتح على شتى الحضارات والثقافات والمعارف، تعب منها ما شاءت أن تعب دون أن تقتلعها من جذورها، وتفقدها هويتها وطابعها الحر الذي يجعل من صاحبها ينظر إلى الأمور من منظوره هو، لا من منظور الآخرين، فيحيا حياة مستقلة، يحطم بها أغلال التبعية، وقيود التقليدية، فيسأل في استقلال ويجيب في استقلال، ويبني أفكارًا جديدة تنمو وتنضج في ظل الاستقلالية والانسجام الذاتي الذي دائما ما يمد صاحبه بروح الحيوية والتجديد، ويعطيه القدرة على الإبداع الحر، والفكر الأصيل، مثل النبات الذي لا ينمو ليكون غيره، وإنما ينمو ويترعرع، وإن بمساعدات من الآخرين، ليكون هو نفسه، ولكن في حالة نضج وقوة تميزه عن سائر النباتات الأخرى.

لعلك عزيزي الشاب هنا تكون قد أدركت مغزى مقولة جوته هذه، والتي أراد بها أن ينير عقولنا ويحررها من قيود التبعية العمياء ويحفظها من جمود التقليد الأحمق، الذي يؤدي في النهاية إلى فقدان الاستقلال الفكري والتميز الثقافي الحقيقي الذي يحمل بصمة صاحبه وينبع من ذاته، ليؤكد لنا جوته في النهاية بأن الكاتب الحق والمفكر العظيم، ليس هو الذي يجعلنا نرى الدنيا بعينيه، ونشهد على الناس والأشياء بضميره، وإنما هو الذي يعلمنا الاستقلال، بأن يضع أقدامنا على أول طريق الحرية، وأن يكون في رؤيته وشهادته قد فتح بصيرتنا وأضاء عقولنا بوهج أفكارنا المعبرة عن شخصياتنا المستقلة التي تخرجنا من طور التابع إلى طور المبدع.