23/8/2018

كيف تعيش حياة صحية ؟

 د. خالد كمال جوهر

 طالعت إحصائية مدهشة تقول إن 50٪ من المرضى بالمستشفيات المصرية مصابين بأمراض جذورها نفسية، وطبقًا للدراسات فهناك أنواع كثيرة من القلق المسبب لإنهاء الطاقة النفسية، فالتعب النفسي يؤدي إلى إضعاف المناعة، وبالتالي جعل الإنسان أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المختلفة.

ومن أهم مسببات القلق.. الخوف من المستقبل أو على المستقبل، فمن الأخطاء الشائعة أننا نحمل همَّ الغد حتى الهوس، فكثير من المصريين وهم يتناولون غذاء لذيذًا قد يتساءلون: «يا ترى هناك أكل يكفي الغد؟!»، وهذا يرجع إلى القلق الذي يعاني منه المصريون، ولعل العلاج يتمثل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يعد علاجًا نفسيًّا ناجعًا لهذا القلق: «من بات آمنًا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، إذن عليك أن تفكر في اليوم.. هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم

وهذا لا يعني أن نترك التفكير في المستقبل تمامًا، ولكن يجب أن نستعد له ولكن لا نهتم، وحين تبدو الأمور كئيبة في المستقبل يجب أن أتركها لأن التفكير فيها سينغص علي حياتي، تخيل أن المستقبل خارج نافذة بيتك! أغلقها في مخيلتك وعش يومك فقط، كلنا يعرف الساعة التي اخترعها المسلمون وكانت فجوتين من الزجاج بينهما أنبوب دقيق من الزجاج يمرر الرمل واحدة- فقط- تلو الأخرى من تجويف لآخر.. تخيل أيامك كحبات الرمل وجهازك العصبي كالأنبوب الدقيق فهو لا يحتمل إلا التفكير في يوم واحد فقط، فلو مر شيء أكبر من حب الرمال لفسد الجهاز، إن الله يغفر خطايانا لكن الجهاز العصبي لا ينسى ولا يغفر.  a23.jpg

فكل إنسان مهيأ لتحمل عبء اليوم الواحد مهما صعب، ويكون قرير العين محبًّا صبورًا حتى تغرب شمس هذا اليوم، فإذا كانت هناك كارثة ستحدث يوم الخميس وأنت في يوم الأحد مثلًا فإذا فكرت فيها بشدة وقلقت، صدقني قد تموت قبل أن تصل إلى يوم الخميس، لذلك يجب أن تقرأ هذه الأبيات للشاعر الروماني هو راس:

ما أسعد الرجل ما أسعده وحده

ذلك الذي يسمى اليوم يومه

والذي يقول وقد أحس الثقة في نفسه

يأيها الغد كن ما شئت

 

 

سبل الوقاية

ولقد قال أفلاطون: «إن أكبر أخطاء الأطباء أنهم يحاولون علاج الجسد دون العقل في حين أن الجسد والعقل وجهان لعملة واحدة فلا ينبغي علاج أحد الوجهين على حدة».

وهذا في القرن الرابع قبل الميلاد، وها هو العلم الحديث يثبت صحة هذه النظرية حيث ظهرت كتلة ضخمة من الأمراض النفسجسمية أو السيكوسوماتية، وهي أمراض تحدث لأسباب نفسية مثل قرحة المعدة والاثني عشر وضغط الدم الذي يطلق عليه «القاتل الصامت» والبول السكري وآلام المفاصل وضعف المناعة بصفة عامة- وهذه كارثة الكوارث- وخلل في إفرازات الغدة الدرقية والشيخوخة المبكرة وتساقط الشعر والضعف الجنسي وغيرها من الأمراض التي أثبت العلم الحديث أنها تنتج عن أسباب نفسية.. لكن كيف نستطيع وقاية أنفسنا من هذه المشكلات النفسية القاتلة؟ يمكن تلخيص وسائل الإنقاذ فيما يلي:

أولًا: ضرورة تقبل الذات كما هي لأنك تلازم نفسك بشكل دائم، تستطيع التحلل من أي شيء وأي أحد، لكنك لا تستطيع التحرر من ذاتك، فعليك أن تتقبلها وإلا سيكون الأمر خطير، مع الوضع في الاعتبار إمكانية تطوير الذات للأحسن في حدود الواقع والممكن، وليس الخيال الجامح؛ لأن هذا يؤدي إلى الفشل وبالتالي الشعور بالإحباط والتوتر مما يؤدي إلى خلل وظيفي في الجهاز العصبي (وبالبلدي احلم على أدك).

 

أعمال الخير

ثانيا: اكتشف علماء النفس أن الناس الأقرب إلى الصحة هم الأشخاص الذين يتفانون في خدمة الآخرين دون مقابل.. كأن يصلح بين الأزواج أو يساعد الناس ماديًّا أو علميًّا، وهكذا.. وأنا شخصيًّا كانت لي سيدة قريبتي أصيبت بالسرطان في الثدي وكان ينتشر بسرعة مذهلة وهي كبيرة في السن، وقد أزال الأطباء الجزء المصاب كما هي العادة، وتقرر لها علاج كيماوي مستمر لكنها رفضت نظرًا للآثار الجانبية الخطيرة، ومنها سقوط الشعر والهزال وغيرها، فانطلقت في عملها وكثفت جهدها في أعمال الخير والتواصل مع الناس، كانت تقرض المحتاجين قرضًا حسنًا وتقول لي هذا أفضل من البنك لأن الفائدة هنا 18 ضعفًا، (في إشارة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم)، وكانت تسعى لتزويج الفتيات العوانس رغم مركزها المرموق، وتسهم في علاج المشكلات الزوجية بما لها من مكانة في قلوب الناس، وكانت تشعر بالسعادة الغامرة كالطفل المنطلق كلما أعادت سيدة إلى منزل الزوجية أو مكنت أبًا مطلّقا من رؤية أبنائه.. جاءت التقارير الطبية مدهشة!! أيها السادة لقد كان تأثير الأعمال الخيرية عليها أكثر من تأثير العلاج الكيماوي، وعاشت مع هذا المرض اللعين قرابة العشرين عامًا، ولقد توفيت منذ عامين وكانت تبتسم حتي اللحظات الأخيرة.. كانت تفكر في الآخرين، وكانت تتحدث إليّ كلما زرتها على فراش الموت في مشكلة خاصة بي، وهكذا ظلت متعلقة القلب بالله، تعمل لإسعاد الآخرين قدر استطاعتها حتى الرمق الأخير.

لقد توقف الأطباء طويلًا بالتأمل أمام هذه الحالة إذ كيف قاوم هذا الجسد النحيل ذلك المرض الخطير؟

إن السر يكمن في الحالة النفسية.. السعادة والإقبال على الحياة والشعور بالقيمة وحب الناس لك ومدى إسهامك في إسعاد الآخرين.. وفوق هذا كله إيمانك العميق بالله، إذًا أنت وحدك تستطيع أن تمنح نفسك السعادة النفسية، وبالتالي الصحة والقوة البدنية.. ليس بالجاه والسلطان والمال، اسمع ماذا قال نابليون في منفاه في جزيرة سانت هيلانة: «رغم ما حققته من شهرة ومجد وعظمة إلا أنني لم أذق في حياتي السعادة الحقة إلا ما يعادل ستة أيام سويًّا».

بينما هيلين كيلر- العمياء، الصماء، البكماء- قالت: «لقد استمتعت بمباهج الحياة ونعمت بجمالها، لقد عشت نصف قرن وتوصلت لشيء واحد.. إنه ما من شيء على الإطلاق يمنحك السعادة والراحة والصحة إلا أنت، نفسك!