الإعلام الساخر..لا لون ولا رائحة

 

7-3-2013

د. مسعود صبري

ظهرت في بعض الفضائيات العربية عدد من البرامج الساخرة، كلون من الألوان الإعلامية، وتتزايد نسبة هذه البرامج فترة بعد أخرى، وذلك لعدد من الأسباب أهمها:

الأول: مناقشة البرامج لقضايا واقعية تشغل الرأي العام.  216.jpg 

الثاني: مزج السخرية بالفكاهة والنكات، وحاجة الناس عن التنفيس عن النفس والمزاج في ظل الأوضاع الصعبة في كثير من الدول.

الثالث: أن مثل هذه البرامج أضحت من البرامج التي تجذب الجمهور المشاهد لها، مما دفع إلى انتشار هذا النوع ودفعه في كثير من البرامج التي تتنوع مجالاتها.

الرابع: أن هذه البرامج تصنع شهرة أكثر من غيرها، وأنها أصبحت تصنع نجوما.

الخامس: ردود الأفعال حولها، وافتعال الحوارات والردود والنقد، فتصبح مثار رأي عام لجميع الناس بين من يمدح ومن ينتقد، ومن يشاهد دون أن يكون له موقف منها.

السادس: أن البرامج الساخرة أضحت تسخر من كل الطبقات في المجتمع بلا قيد ولا حد، مما قد يفهم أنه نوع من الشجاعة من مقدميها.

السابع: أن غالب البرامج الساخرة مع ما فيها من نقد قد يكون بعضه صوابا لكنها تشتمل على مضحكات من استهزاء أو تقليد ومحاكاة، أو القيام ببعض المشاهد التمثيلية من المقدم وغيرها مما فيه إثارة للجمهور.

علاقة الدين بالبرامج الساخرة

الأخطر في هذا هو اعتبار أن البرامج الساخرة لا علاقة لها بالدين، وأن الحديث عن بيان رؤية العلماء فيها نوع من الاعتداء على حرية الإعلام، وأن العلماء يحشرون أنفسهم في كل صغيرة وكبيرة، ويدخلون الدين في أشياء لا علاقة لها بالدين مطلقا، خاصة أن من يقدمونها – في الغالب- مسلمون، وقد يحافظون على الصلاة أحيانا، ويرون أنفسهم مثل غيرهم، فلا حاجة لإقحام الدين في الحديث عن مثل هذه البرامج!

والبرامج الساخرة التي يكون منها القصد من الأشخاص أو الحركات أو الهيئات أو المؤسسات وهي تقوم على السخرية التي تضحك الناس بتشويه صورة الآخرين كنتيجة، فإن مثل هذه البرامج لا تتفق مع أخلاق الإسلام وآدابه، ولا تراعي حرمة للأشخاص أو المؤسسات، كما أنها تتنافى مع الذوق العام خاصة في المجتمعات المسلمة، وما لها من أعراف يجب احترامها وتقديرها.

التفرقة بين السخرية والنقد

يجب التفريق بين السخرية والنقد، فالنقد حاجة ملحة لا غنى للناس عنها، وهو ما يعبر عنه بلغة الشريعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وهو أحد سمات المجتمع المسلم الذي وصفه ربنا سبحانه وتعالى بقوله في كتابه العزيز: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 71]

وتختلف البرامج الساخرة عن النصح بأن هدف النصح الإصلاح، أما هدف البرامج اكتساب شعبية إعلامية وغيرها.

والبرامج الساخرة منهي عنها كما يفهم من كتاب الله تعالى، كما في قوله سبحانه:  { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]، فوصف الله السخرية بالفسق، فأهلها فاسقون ظالمون إن لم يتوبوا منها.

وقد توعد الله تعالى من يفعل ذلك بالويل يوم القيامة كما قال سبحانه: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]، وهو الذي يمشي بالغيبة والنميمة بين الناس. وقد قال العلماء: إنه لا يجوز مشاهدة مثل هذه البرامج الساخرة.

اسأل نفسك

على من يشاهد هذه البرامج أن يسأل نفسه: ما الفائدة التي تعود عليه من مشاهدتها؟ وهل تلك الفوائد لا توجد إلا في تلك البرامج، وهل مشاهدة البرامج الساخرة ستكون يوم القيامة في ميزان حسناته أم في ميزان سيئاته؟