أسرار جديدة في تحريم  الخنزير

 

د. طارق السيد السيد طبل - جامعة الأزهر

 9/1/2013

 الحمد لله أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث وجعلنا من أمة الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، تلك الأمة التي تستمد أسلوب حياتها من ربها وخالقها الذي هو أعلم بها، حيث جعل هذا حلالًا وهذا حرامًا، فقال جل شأنه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ}(الأعراف: 157)، ولا تستقيم حياة الناس إلا باتباع منهج الخالق الذي خلق فسوى وقدر فهدى.  166.jpg

وبعد..

فلقد حرم الله تعالى لحم الخنزير لضرر فيه على الإنسان، وعلى كل حال، سواء توصل العلم الحديث إلى معرفة أضراره أو لم يتوصل، فنحن مطالبون بالالتزام بما ورد في القرآن الكريم لأننا نستمد منه منهج حياتنا وما به سعادتنا في الدنيا والآخرة.

لقد حرم الإسلام لحم الخنزير تحريمًا لا يلحقه ريب في وقت كان العلم فيه بعيدًا كل البعد عن معرفة تكوينه وما يحتويه من أمراض قد تفتك بالإنسان إذا استمر على تناولها، وقد ورد لفظ «الخنزير» في القرآن الكريم في خمسة مواضع.

في سورة البقرة: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ}(البقرة: 172-173).

وفي المائدة في موضعين: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ} (المائدة: 3)

وقوله تعالى: {مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ}(المائدة: 60).

وفي الأنعام: {إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ}(الأنعام: 145).

وفي النحل: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ}(النحل: 115).

وانظر إلى دقة اللفظ القرآني ومدى شموله فإنه قال: {لَحْمَ الخِنزِيرِ} ولم يقل: (حرم عليكم الخنزير)، وذلك أن اللحم هو أطيب شيء فيه وهو المقصود بالأكل وإذا حرم أطيب شيء فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم ثم تأمل لفظ "رجس"، وتحمله من اشمئزاز ونفور، إذ الرجس هو القذر والتعبير قبل ذلك بـ"إنما" التي تفيد الحصر كما قال أهل البلاغة، فيصير المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة...

وهو تحريم لا لبس ولا مراء فيه، بل لقد حرم الإسلام بيعه وشراءه والاتجار فيه.

فقد ورد عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفتح وهو في مكة يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (رواه أبوداود في سننه).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في سنن أبي داود أيضًا أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا عند الركن يقول: «إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه».

إن تحريم القرآن لأكل الخنزير والاتجار فيه منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، وفي وقت لم يكن الخنزير موجودًا في الجزيرة العربية -وإن وجد فلا أحد يعلم عنه شيئًا- لهو شاهد صدق على أن هذا الكتاب منزل من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل مِنْ حكيم حميد، وشاهد على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

وتتجلى عظمة تحريم الخنزير في الإسلام في ذلك الزمن السحيق عندما تسمع اليوم من أفواه غير المسلمين ما يعددونه من أضرار ومخاطر لحم الخنزير.

فقد أعلن البروفيسور النمساوي "فانزهانر" في مؤتمر بفيينا قال: "إن الإكثار من أكل لحم الخنزير لا يؤدي إلى الإصابة بمرض تصلب الشرايين فقط، بل يؤدي إلى سقوط الشعر أيضًا".

وقال هانس الألماني: إن أسوأ انعكاسات لحم الخنزير على صحة الإنسان ظهرت في بعض المناطق الحارة من إفريقيا، تلك المناطق التي يوجد فيها فئتان هما:

الأولى: فئة ذات طابع إسلامي، أي لا تأكل لحم الخنزير مطلقًا، وهذه الفئة سليمة من الأمراض الخنزيرية.

والثانية: فئة ذات طابع غير إسلامي، أي تأكل لحم الخنزير بشراهة، وهذه الفئة يصاب أفرادها بجميع الأمراض التي تنجم عن لحم الخنزير وخاصة: قروح الجلد- أكزما- التهابات في الجلد- الزائدة الدودية- التهاب الحويصلات المرارية- السمنة- روماتيزم- التهاب المفاصل.

وكذلك الحال في جبال الهملايا حيث الجماعات التي تعيش طبق المبادئ الإسلامية، أي لا تأكل لحم الخنزير مطلقًا، وقد وجد أن أفرادها يتمتعون بصحة جيدة، أما الجماعات الأخرى التي تعيش في نفس المناطق، ولكن يأكلون لحم الخنزير فإن أفرادها يصابون بالأمراض التي تم ذكرها.

وفي نهاية المقال أثنى على الشريعة الإسلامية في تحريمها للحم الخنزير، مما كان له أثر واضح في سلامة وصحة المسلمين.

ومن الأمراض الأخرى التي يسببها أكل لحم الخنزير:

"البلادة وعدم الغيرة" ذلك أن من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الشيء مثل "الكبر والخيلاء" في الفدادين أهل الوبر، "والسكنية" في أهل الغنم، "والأخلاق الذميمة" في الخنزير ومن المعروف أن الخنزير لا يغار، فهو من الحيوانات التي تأكل القمامة والقاذورات والنفايات، فهو جامع لمعاني القبح والقذارة والرجس والنجاسة، ويشتهر بطبائع عارية من الحياء في تزاوجه.

فمن أكل منه اكتسبت نفسه كل هذه الصفات التي لا تكاد تكون مجتمعة في شيء آخر.

وكذلك مرض إنفلونزا الخنازير الذي ظهر عام (2009) وما سببه من هلع بين معظم دول العالم.

هذا وقد ذكر العلماء أن الخنازير تصاب بنحو (400) مرض، ويشترك الخنزير مع الإنسان في نقل (163) ما بين فيروسية، وبكتيرية، وفطرية، وطفيلية... الخ.

أما عن دُهن الخنزير فإنه من أهم أسباب تكوين الحصى المرارية وانسداد قنواتها وتصلب الشرايين وبعض أمراض القلب الأخرى.

وبعد هذه النبذة المختصرة عن بعض ملامح الإعجاز في القرآن في تحريم لحم الخنزير، أفلا تستحق الشريعة الإسلامية التي سبقت العلم البشري بأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، أن تكون دافعًا قويًا للمسلمين كي ينتصروا لدينهم ويستيقظوا من سباتهم.