رأسي وأفقي


إيهاب عبد السلام

19/8/2013

ما زلتُ أذكر ذلك اليوم وأنا تلميذ في الإعدادية عندما علمنا مدرس الرياضيات رسم المحورين الأفقي والرأسي، على ورقة رسم بياني، ثم تدوين القيم الرأسية والأفقية وتوصيل نقاطها لينتج عنه خط مستقيم أو متعرج هابط إلى الأرض، أو منطلق نحو السماء؛ كل ذلك حسب ما يسجله القلم من قيم رأسية وأفقية، ويحدد نقاطها على الصفحة الورقية، وقد راقني ذلك كثيرا لما فيه من رصد، ورسم، وحركة، ونتيجة واضحة للعين، تبرز القيم المعنوية العددية في صورة مرسومة تراها العين. 19-8-2013.jpg

وكان أن بدأ اليوم التالي بحصة التربية الدينية، وكعادة الأستاذ في ذلك الزمن الجميل انتهى من الدرس المقرر، ثم أفاض علينا بدرس من عنده حبًّا وإخلاصًا فقال: اعلموا يا أبنائي أن لكل إنسان علاقتين؛ علاقة رأسية وأخرى أفقية؛ أما الرأسية فعلاقته بالله تعالى، وأما الأفقية فعلاقته بالناس أجمعين؛ وبينما يمضي الإنسان في حياته لا غنى له بعلاقة عن الأخرى، والفائز حقًّا هو الذي يحسن العلاقتين.

بينما كان أستاذي يمضي في شرح فكرته تخيلت هذين المحورين ورأيتهما أمام عيني، فإذا أراد الإنسان أن يرتفع ويسمو بخط أعماله إلى عنان السماء فعليه أن يكون إيجابيا متزايدًا في الخير في علاقته بالناس وبرب الناس، أما إذا أهمل إحدى العلاقتين وتناقصت، فإنه لن يتحرك من مكانه أو سيتراجع إلى الخلف، وإذا تناقصت قيم علاقته الرأسية بالله تعالى والأفقية بالناس حوله، فسوف يهوي خط أعماله إلى الأرض، وبذلك يصبح السمو في الدنيا والآخرة مرتبطًا بالتنامي الإيجابي للعلاقتين معًا.

في ظل هذا الفهم أدركت معنى الحديث الشريف الذي أورده الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال: "هي في النار" قال يا رسول الله، فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدَّق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: "هي في الجنة". لقد وضح الحديث الشريف أهمية بل ضرورة توازن العلاقتين الرأسية والأفقية.

وما أطيب ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في تداخل تلك العلاقتين الرأسية والأفقية تداخلاً لا تكاد أن تفصل إحداهما عن الأخرى، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الله عز وجل يقول يوم يوم القيامة: "يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني. قال يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال: يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي".

أما السَّلف الصالح فكانوا حريصين على إتمام العلاقتين الرأسية والأفقية حقهمَا، فقد ورد عن أكثر من واحد منهم أنه كان يخرج من اعتكافه الذي يرقى به درجات رأسية في علاقته بالله تعالى من أجل أن يقضي حاجة إنسان ليرتقى في علاقته الأفقية بخلق الله تعالى، فعل ذلك الحسن بن علي رضي الله عنهما إذ قصده ذو حاجة فقضى حاجته، وكان معتكفًا، وقال: لَقَضَاءُ حاجة أخٍ لي في اللّه -عز وجل- أحبُّ إليَّ من اعتكاف شهر.

ورُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّه كان معتكِفًا في مسجدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأتاه رجلٌ فسلَّم عليه، ثمَّ جلس، فقال له ابنُ عبَّاس: يا فلانُ، أراك كئيبًا حزينًا، قال: نِعمَ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ، لفلانٍ عليَّ حقٌّ، لا وحُرمةِ صاحبِ هذا القبرِ ما أقدِرُ عليه، قال ابنُ عبَّاس: أفلا أكلِّمُه فيك؟ قال: إن أحببتَ، قال: فانتعل ابنُ عبَّاس، ثمَّ خرج من المسجدِ، فقال له الرَّجلُ: أنسيتَ ما كنتَ فيه؟ قال: لا، ولكنِّي سمِعتُ صاحبَ هذا القبرِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والعهدُ به قريبٌ -فدمِعت عيناه- وهو يقولُ: "من مشَى في حاجةِ أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكافِ عشرِ سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاءَ وجهِ اللهِ تعالَى جعل اللهُ بينه وبين النَّارِ ثلاثةَ خنادقَ أبعدَ ما بين الخافِقَيْن". (رواه البيهقي)