الفطر عيد الفرحة

أشكال مختلفة للاحتفاء به في العالم العربي




يحرص السعوديون على إشعار الوافدين بالبهجة.. والفلسطينيون يستقبلونه بالصمود

تتشابه أجواء العيد في الخليج العربي.. الاجتماع لدى الكبير و«الخرجية» أمر واجب

أطفال اليمن يحرقون الحطب فرحا بقدوم العيد وحزنا على فراق رمضان

في المغرب العربي: جديد الثياب والحلوى الشعبية والعيدية أبرز السمات

محمد عبدالعزيز- القاهرة
دار الإعلام العربية
6/8/2013

يأتي عيد الفطر المبارك حاملا البسمة الغائبة إلى نحو مليار ونصف المليار مسلم على امتداد العالم.. تتباين الوجوه والألوان والأجناس والألسنة، غير أن القلوب كلها متوحدة مجتمعة على ذكر الله، وقد جاءتهم الفرحة التي بشر بها الرسول الكريم لكل مسلم عند فطره.. يتخذ الاحتفال بالعيد أنماطا متباينة، تميز طابع كل مجتمع وموروثاته الفلكلورية التي يتفرد بها عن غيره، لكن يبقى الطابع الأشمل لهذه الاحتفالات هو الفرحة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
نبدأ جولتنا بقبلة العالم الإسلامي أجمع، من المملكة العربية السعودية التي يبدأ الاستعداد فيها لاستقبال عيد الفطر المبارك في الثلث الأخير من شهر رمضان المبارك، حيث تستعد الأسر السعودية لشراء الثياب الجديدة لأبنائها، فيكثر الزحام في الأسبوع الأخير من رمضان في المراكز التجارية ومتاجر الأحذية و«الإكسسوارات» لشراء الجديد الذي يملأ قلوب الصغار والكبار على السواء بالبهجة.
الأم السعودية يقع العبء الأكبر عليها، فتحاول التوفيق بين رغبات أبنائها، وبين تزيين البيت لاستقبال المعيّدين من الأهل والأقارب، وإعداد أو شراء بعض الحلوى والمأكولات المرتبطة بهذه المناسبة العظيمة.
6-8-2013.jpg
«عساكم من عواده»
ويبدأ السعوديون عامة بترتيب أمور الاحتفال، فتقوم ربات البيوت بتنظيف المنازل وتجديد الأثاث وشراء مستلزمات العيد للأطفال من ملابس وألعاب، وعند ضرب مدفع الإفطار آخر أيام رمضان، تبدأ ليلة العيد، وفيها يستعد الجميع للذهاب إلى صلاة العيد.
ومع أول ساعة من الصباح يتجمع الناس لصلاة العيد، ثم يقومون بعد أداء الصلاة بتهنئة بعضهم البعض في المسجد، وتقديم التهاني الخاصة مثل «عساكم من عواده»، بعد ذلك يذهب الناس إلى منازلهم، استعدادا للزيارات العائلية، فيذهبون إلى دار أكبر شخص في العائلة لمعايدته والإفطار عنده بحضور جميع أفراد العائلة، ومن ثم تقديم «الخرجية» للأطفال، قبل أن تخرج الأسر الصغيرة للاحتفال، كل أسرة على طريقتها، فمنهم من يشارك في احتفالات يتخللها بعض الأناشيد والمسابقات وتوزيع الجوائز على الأطفال، أو التنقل بين الأماكن الترفيهية التي تزايدت أخيرا في المدن السعودية.
ولأن المدن السعودية تضم آلاف المغتربين الذين تقتضي طبيعة عملهم قضاء العيد في المملكة، فإن المواطن السعودي يحرص على إشعار إخوانه المسلمين الوافدين بأنهم في بلدهم وبين إخوتهم، وذلك من خلال كرم الضيافة وحسن الاستقبال، والحرص على تقديم التهنئة لهم والهدايا و«الخرجيات» لأطفالهم، فلا يكاد الهندي أو اليمني أو المغربي أو السريلانكي أو المصري أو أي وافد على اختلاف جنسيته يشعر بالغربة، بل يحس أنه بين أهله، لاسيما أن كفيله يعوضه ذلك عن طريق الاتصال بأهله وتهنئتهم بالعيد السعيد والاطمئنان عليهم، إضافة إلى خروجه مع أفراد العائلة في رحلاتهم، فيعيش بهجتهم، وكأنه بين أهله.

تحت الاحتلال
يحل عيد الفطر في فلسطين وسط اعتداءات صهيونية متوالية لكسر إرادة المقاومة، غير أن كل هذه المحاولات تتكسر على صخرة الإرادة الفلسطينية.. وللعيد في أرض الانتفاضةـ على الرغم من حالة الانقسام التي يعانيها الفلسطينيون حالياـ بهجة وحلاوة تكمن في فرحة وسعادة الأطفال، الذين ينتظرون قدومه لحظة بلحظة، فيرتدون ما تيسر لديهم من ملابس جديدة، وقد ارتسمت البسمة على وجوههم الصغيرة وسط ذويهم وأحبتهم.. تمتلئ المتنزهات بضحكاتهم، كما تتلألأ السماء بألعابهم النارية، وتشهد الأسواق ازدحاما كبيرا لشراء الألعاب الصغيرة الملونة.
وعلى الرغم من كل الهموم التي تقع على كاهل كل طفل فلسطيني، لتجعله يكبر قبل الأوان، ولتسلبه طفولته وحقه بالعيش كجميع أطفال العالم، وممارسة حياته الطبيعية في اللعب والتعليم، فإن كل ذلك لم يكن ليمنع الأطفال الفلسطينيين من أن يستيقظوا من نومهم باكرا في يوم العيد، يستعجلون الخروج من منازلهم إلى الصلاة، ومن ثم المتنزهات وزيارة الأقارب، ومنهم من يتوجه إلى مقابر الشهداء التي تزايد عددها لكثرتهم.

في الخليج
وتتشابه أجواء العيد في معظم دول الخليج العربي، حيث تتقارب العادات والتقاليد المحافظة التي يتحلى بها الخليجيون، ففي سلطنة عمان اعتاد الناس في عيد الفطر الذهاب إلى المتنزهات والحدائق، بغرض الترفيه عن أنفسهم، وفي ولاية عبري- على سبيل المثال- يحتفي المسلمون بالعيد من خلال صلة الأرحام وإقامة الولائم الجماعية، وإحياء الموروثات الشعبية، بإقامة الأهازيج والفنون المتوارثة وسباقات وعروض الخيل والهجن، وغيرها من الحفلات الفنية. كذلك يحرص العمانيون على إقامة الموائد الجماعية وغيرها من الأساليب الاحتفالية التي يعبر بها المسلمون عن فرحتهم الرشيدة، كما أوصى الله تعالى بذلك.
أما في مملكة البحرين فتتحول الشوارع إلى لوحة مضيئة بالبهجة، حيث يخرج الجميع بعد أدائهم صلاة العيد لزيارة الأهل منذ الصباح الباكر وتناول الحلوى والمكسرات والقهوة البحرينية الأصيلة، كما تضفي حركة الأطفال على جو العيد بهجة وبراءة، فتراهم جماعات تخرج من بيت لتدخل في آخر بحثا عن «خرجية» المهنئين، وقد اختلفت مظاهر العيد في البحرين عما كانت عليه سابقا، فمثلا اختفى ما كان يعرف بـ«يوم الزينة»، وهو آخر يوم من شهر رمضان المبارك، الذي يخرج فيه الأهالي، لتهنئة الحاكم والأمراء والجيران بقدوم العيد، لكن بقيت أبواب المنازل والمجالس مفتوحة لاستقبال المهنئين.
وفي قطر، تزين الشوارع والمحلات التجارية بالأضواء والزينة، وتقام المهرجانات الخاصة بالعيد، ويحرص رب الأسرة على اصطحاب أبنائه لأداء صلاة العيد، بعدها يبدأ في تبادل التهاني، وتعود النساء إلى بيوتهن، حتى يتم الإعداد لاستقبال الأهل والضيوف.. وللعيد في قطر وليمة خاصة يتم إعدادها لأهل البيت وللضيوف، وتعد من الصباح الباكر، وهي عبارة عن طبق «المكبوس»، وفي العادة يعدها البيت الكبير (بيت العائلة)، حيث الجد والجدة، وهو البيت الذي يجتمع فيه أفراد العائلة، ويقصده المهنئون، هذا بالإضافة إلى الحلويات والفطائر، المعدة مسبقا، والمجهزة على سفرة خاصة بالضيوف، وقد اعتاد الناس أن يشتروا الملابس الجديدة خاصة للأطفال، أيضا الكبارـ نساء ورجالاـ يحرصون على لبس الجديد قدر الإمكان، وبالنسبة لملابس البنات، لا يوجد زي محدد في العيد، سواء للصغار أو الكبار، المهم أن تكون ملابس جديدة وبهية، فالصغيرات تلبسن الفساتين، والفتيات تلبسن الملابس العصرية، أو الجلاليب المطرزة، أما الصبيان والرجال فيلبسون الثياب التقليدية: الثوب والغترة والعقال، ومنهم من يلبس «البشت» فوق الثوب.
أما في الإمارات، فتعتبر مظاهر الفرحة بالعيد من التقاليد الراسخة التي يتمسك بها الكبار والصغار، ومن أهمها ارتداء الملابس الجديدة، التي يبدأ تجهيزها منذ الليل، لتأدية الصلاة بها في الصباح الباكر، بينما تقام عصرا سباقات الهجن والخيل أو عروض الحربية والعيالة للرجال.. والعيد في المدينة أوضح ما فيه الحركة التي لا تتوقف إلا بانتهاء أيام العيد، والتي يشترك فيها الجميع، الكبار يتزاورون في الصباح بعد صلاة العيد، وتحية الشيوخ، ثم ينصرفون إلى الرقص واللعب والتسابق، أما الصغار فلا يكفون عن اللعب في مجموعات والطواف بالبيوت لجمع «الخرجية».
بينما يحتفل الجميع في الكويت بالعيد رجالا ونساء وأطفالا، فعقب الصلاة يجتمع الرجال في «الصفا» لتبادل التهنئة وقضاء أوقات طيبة مع تناول القهوة، لكن القهوة لا تسبق «الواجب»، فبعد الانتهاء من صلاة العيد يتوجه الجميع أولا إلى الاجتماع في البيت الكبير ليتلاقى أفراد العائلة، ويتبادلون التهنئة بالعيد، وقد تمضي العائلة مجتمعة في هذا البيت نحو نصف النهار، وقد يمتد بهم الأمر إلى عصر اليوم الأول من العيد، وفيما مضى اعتاد الرجال التجمع في الديوان لتناول غداء العيد المكون من اللحم والحشور والخبز، توضع على صواني كبيرة ليجتمع حولها ستة أو سبعة من الرجال، كما تقدم الحلوى الكويتية الخاصة بالعيد وهي «شعر البنات» التي تصنع على شكل الشعر الطويل، كما يقدم معها «الهريس» وهو نوع آخر من أنواع حلوى العيد، والعيدية أيضا جزء مهم من فعاليات العيد يحرص الجد الكويتي والأب كذلك على منحها للأبناء والأحفاد كلّ على قدر سعته وإمكاناته المادية.

في اليمن
يستقبل اليمنيون عيد الفطر ببهجة كبيرة، فيستعدون لاستقباله مع انتصاف شهر رمضان بتجهيز الحلوى وتفصيل الثياب الجديدة، ومن العادات المتوارثة للعيد في اليمن انشغال الصغار والكبار بجمع الحطب، ووضعه على هيئة أكوام عالية، ليتم حرقها ليلة العيد تعبيرا عن فرحتهم بقدوم عيد الفطر السعيد، وحزنا على فراق رمضان، بينما تسهر النساء ليلة العيد حتى الصباح ليهيئن بعض المأكولات التي تقدم صباحا للضيوف، وعندما يعود رب الأسرة بعد أداء صلاة العيد، تستقبله الزوجة والأبناء وهم في أجمل زينة وهيئة، ويتناولون الإفطار، قبل أن يخرجوا لمعايدة الأقارب والجيران.. سكان العاصمة اليمنية صنعاء يبدأون قبل أيام من حلول العيد بمغادرة المدينة عائدين إلى قراهم ومدنهم الأصلية.
بينما يتخذ العيد في لبنان منحى فنيا، فالاحتفالات الفنية هي الحاضر الدائم على احتفالات الشباب اللبناني بالعيد، فعلى الرغم من الأزمات الداخلية التي يعيشها الشعب اللبناني في الأعوام الأخيرة، فإن اللبنانيين لا يفرطون في حقهم المشروع في البهجة والفرحة، فيقبلون بعد الانتهاء من صلاة العيد وتبادل التهاني والزيارات العائلية السريعة على المشاركة في المهرجانات التي تقيمها بعض الفرق الفلكلورية، وفي العيد يبدو كل شيء جديدا، خصوصا عند الأطفال الذين لا يقبلون الخروج إلا بملابس جديدة.

في المغرب العربي
تتقارب عادات دول المغرب العربي في الاحتفاء بعيد الفطر المبارك، فيحرص المغربيون على شراء الملابس الجديدة خاصة للأطفال، فتنشط حركة البيع والشراء في المغرب في اليومين اللذين يسبقان العيد، ويحرص الرجال صباح يوم العيد على اصطحاب أبنائهم إلى المصليات التي تمتد في ساحات واسعة لأداء الصلاة، ثم يبدأون في توزيع زكاة الفطر على المحتاجين، بينما تظل معظم السيدات في المطبخ لإعداد طعام الإفطار، وعادة ما يكون من الحلويات الخفيفة.
بينما يستقبل التونسيون العيد بحفاوة مبالغة، فتعم مظاهر الاحتفال والفرحة شوارع البلاد، في محاولة للتصدي لمحاولات البعض عزل الشعب التونسي عن أصالته وهويته، لذلك تجتهد كل العائلات للاحتفال بالعيد، وتنشط سوق صناعة الحلوى التقليدية خلال أيام العيد.
بينما يعتبر عيد الفطر حدثا غير عادي بالنسبة للشعب الجزائري، حيث يسبق العيد تجهيز المأكولات والحلويات الشعبية، مثل: (المقروط، والفريوش، والكسكسة، والشخشوخة، والرستا)، بالإضافة إلى شراء الملابس الجديدة، وتبدأ ساعات العيد المبكرة بالصلاة، يليها ساعات الغداء في منزل الأسرة في الساعة الثانية عشر ظهرا، ومن ثم الذهاب للترفيه في الأماكن المفتوحة.
أما ما يميز العيد في الجزائر عنه في باقي الدول العربية أنه يستمر ليومين فقط، أما الأطفال فتراهم يلعبون، ويمرحون كالفراشات بعد أن يكونوا قد حصلوا على العيدية.
وفي موريتانيا، يمثل العيد مصدر فرحة كبيرة للموريتانيين، وفرصة ينتهزونها لكسر الروتين الذي يثقل حياتهم، فتبدأ مراسمه بالإفطار في الصباح الباكر، ثم ارتداء الملابس الجديدة، استعدادا لصلاة العيد، بعدها تبدأ الزيارات التي تستمر حتى المساء، مع تبادل التهنئة بالقول: «إمبارك العيد» أو «عيد سعيد»، وعلى من يتلقى هذه التهنئة الرد قائلا: «أعلين وأعليكم» (أي مبارك علينا وعليكم)، وللشباب الموريتاني اهتمامات خاصة معروفة في العيد، ففي المدن الكبيرة يخرجون في المساء إلى الساحات العمومية ودور الإنترنت والفيديو، وفي الأرياف يذهبون خارج الأحياء، ويسهرون أحيانا في أمسيات ينظمونها بهذه المناسبة.