لا تفوتكم هذه الليلة

  د·محمد عبدالمنعم خفاجي

   حدث عن ليلة القدر وفضلها ولا حرج، ففيها يقضي الله كل أجل ورزق، وعمل وكل خلق، وفيها تتنزل الملائكة والروح الأمين جبريل بإذن الله بكل أمر قدَّره وقضاه على عباده، وهي ليلة سلام ورحمة وخير وسعادة للمؤمنين كافة من لدن طلوعها حتى مطلع الفجر، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:  30-7-2013.jpg  من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة والدعاء والابتهال وقراءة القرآن، ومن حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قلت يا رسول الله: إذا وافقت ليلة القدر ماذا أقول فيها: قال صلى الله عليه وسلم قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، وقال سفيان الثوري الزاهد: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله! أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي أو في غيره؟

 قال صلوات الله عليه: بلى، هي في رمضان، قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أو هي إلى يوم القيامة؟ قال: هي إلى يوم القيامة، قلت في أي رمضان هي، أي في أي يوم من أيامه؟ قال صلوات الله عليه: التمسوها في العشر الأواخر(1)، قلت: في أي العشر هي؟ قال صلوات الله عليه: التمسوها في السبع الأواخر، ورويت أحاديث أخرى كثيرة فيها· ومن ثم اختلف المسلمون في تحديدها، وجمهور العلماء على أنها في رمضان كل سنة، فمنهم من قال: هي في الشهر كله، ومنهم من قال هي النصف الثاني منه، فقيل هي ليلة سبع عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة، وقال الجمهور هي منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، وروي عن الحسن ومالك أنها تطلب في جميع ليالي العشر الأواخر، وقال بعض العلماء: هي ليلة إحدى وعشرين أو ليلة ثلاث وعشرين، أو ليلة أربع وعشرين أو ليلة سبع وعشرين، وقيل هي ليلة خمس وعشرين·

 وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: من كان منكم متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين، وفي رواية: من كان متحريها فليتحر الليلة السابعة من العشر الأواخر·

 ومن أجل ذلك أمر رسول الله صلى الله عيه وسلم المؤمنين بإحيائها وقيامها وبالعبادة والتوحيد والطاعة وقراءة القرآن فيها، كما أمرهم بالاجتهاد في طلبها، وقد أخفاها الله عز وجل عن عباده ليجتهدوا في العبادة وفي طلب هذه الليلة المباركة التي فضلها الله على كل ليالي السنة تفضيلاً كبيراً·

 ولله تعالى مواسم خير ورحمة ومغفرة ورضوان، لا يعلمها إلا هو، ومن أجل ذلك كان على المؤمنين واجب الاجتهاد في الطاعة والعبادة عسى أن يوافق عملهم الصالح وقتاً من هذه الأوقات السعيدة، فينالوا بها شرف الدنيا وعز الطاعة وثواب الآخرة·

 ومن الواجب علينا في ليلة القدر الإكثار من تلاوة القرآن والعبادة والتهجد والطاعة والصدقة، وفعل الخير ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلاً·

 وإذا كان ذلك كله واجباً على المسلم في غير رمضان، فإنه في رمضان أوجب وهو شهر الطاعات والعبادات·

 وإذا كان ذلك واجباً على المسلم في غير رمضان وفي رمضان، فإنه في ليلة القدر أشد وجوباً وأكثر لزاماً، وأعظم مسؤولية، وأكبر أمانة على المسلم أن يؤديها لرب العباد والخلق أجمعين· وفي مقدم ذلك كله حسن الخلق، والتزام الفضائل، واتباع ما أمر الله عز وجل، وترك ما نهى عنه، ولقد جعل الإسلام الأخلاق الكريمة ديناً واجباً على أتباعه، يلزم بها المسلم ويؤمر بتمثلها والتطبع بها، فما من خُلق كريم تهواه الفطرة السليمة النقية، إلا وله في الإسلام شأن وأمر واستحسان، وما من خلق بذيء ذميم تعافه النفس وتأباه الطباع المستقيمة، ألا وله في الإسلام نهي وكراهة واستقباح·