لنكون حقًا ممن أدركوا رمضان

 

د/ محمد علي يوسف

 صديقان حميمان هما..

سقط الأول مضرجًا في دمائه الزكية بميدان من ميادين الشرف والبطولة، ونال ذلك الفضل الذي طالما طلبه في مظانه، وسعى ليصيبه طوال حياته حتى أُكرم بتلك الشهادة والله حسيبه و مكث صاحبه بعده عامًا ثم أدركه الموت على فراشه .  10-7-2013.jpg 

ورأى سيدنا طلحة رضي الله عنه منامًا فيه أن الذي مات على فراشه سبق أخاه المجاهد إلى روضات الجنان

وتعجب طلحة، وتعجب الناس فهرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويستفسرون منه عن حقيقة تلك الرؤيا

فجاء التفسير من البشير النذير: من أي ذلك تعجبون؟! أليس قد مكث هذا بعده سنة؟

- بلى فعل يا رسول الله ..

- وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟

- بلى

- فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض

هكذا بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعيار المختلف الذي غاب عن البعض..

معيار يجعل الأمر ممكنًا والسبق متاحًا لمن تقبل الله منه يسير الأعمال

ولمن أدرك رمضان

إن هذا الحديث وغيره من أحاديث رمضان نقاط فاصلة ينبغي أن تغير مفهوم الناس لرمضان والاجتهاد والطاعة فيه

ينبغي أن تفتح بابًا عظيمًا للأمل في السبق والتغيير

تغيير كل شىء في حياتك الدنيا وفي آخرتك بإذن الله

عام واحد ورمضان واحد غير حياة إنسان كان أقل اجتهادًا من أخيه كما بنص الحديث المذكور إلا أنه شكل انطلاقة عظيمة في حياته أهلته لأن يسابق الشهيد

بل ويسبقه!!

إن رمضان عبارة عن انطلاقة تغييرية وفرصة ذهبية لكل من ابتغى خيري الدنيا والآخرة لذا ينَادَى هذا المريد للخير في أول أيام رمضان محفزًا ويقال له: يا باغي الخير أقبل

أقبل فهذه فرصتك وتيك غنيمتك والسوق قد نصبت والعدو قد صُفد والمضمار قد هُيىء والسباق قد انطلق

أقبل فكل الظروف قد باتت مواتية لتتغير وتغير

الناس من حولك في طاعة، والشهوات قد تقلصت بصيام نهار، والطاعات قد يسرت بقيام ليل ولم يتبق إلا أن تُقبِل .

وأعظم صفقة رابحة في رمضان كما أسلفت هي صفقة التغيير

فرمضان في ذاته تغيير والمرء في رمضان يختلف عنه في سائر الشهور، وذلك ينطبق على الجميع حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجده في رمضان أجود ما يكون.. أجود من الريح المرسلة حين يأتيه جبريل فيدارسه القرآن، وتجده في العشر الأواخر يشد مئزره ويوقظ أهله ويجتهد أيما اجتهاد، وهوالذي كان في سائر حياته صاحب أعظم الجد والاجتهاد

لكنه مع ذلك يحتفي برمضان بشكل مختلف في رسالة ضمنية إلى الأمة أن تنبهوا فالسوق منصوبة وسرعان ما ترحل، وما هي إلا أيام معدودات ولا يُعد إلا الثمين من الأشياء .

وهل بعد قول الله من قول، وهوالذي أنزل في كتابه مبينًا المقصد من الصيام محكمًا ظاهرًا في قوله: {لعلكم تتقون}

فلهذا شرع الله الصيام

لكي تخرج منه وقد تحليت بالتقوى وتزينت بالاستقامة وترسخت في نفسك معاني الإحسان والمراقبة .

وكم من شواهد واقعية تظهر تلك الحقيقة جلية، وذلك حين تنظر لنماذج من خرجوا من رمضان بحال تختلف تمامًا عن الحال التي دخلوه وهم عليها

كم من شاب استقام في رمضان وأكمل حياته على تلك الاستقامة، وكم من عاصٍ كان رمضان بداية لتوبته ومنطلقًا لأوبته، وكم من عابد وعابدة وزاهد وزاهدة تقلبوا في نعيم القرب من الله وسلكوا سبيل العبودية والتنسك من بوابة رمضان .

واجتماع الصيام والقرآن على القلب في رمضان ينشىء حالة عميقة أكيدة من التأثير التغييري يندر أن تجد متعرضًا صادقًا لها إلا ويتغير بها، حيث تعرض الآيات على القلب وهو في حالة من تراجع لمنسوب الشهوات تؤهله للتأثر والتفاعل مع كلام الله،

وتلك هى الفرصة الكبرى للتغيير ولاكتساب التقوى

وهو فرصة كذلك للتغيير السلوكي وتعويد النفس على صالح الأخلاق التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتممها.

فهو مدرسة للصبر والجلد وتحمل المشاق، وهو محضن أخلاقي يكسب المسلم الواعي الذي يدرك خطورته قدرة على حسن الرد ومقابلة الإساءة بالحسنى، وهو فرصة ليذر الإنسان ما تساهل فيه من قبل من قول زور أو عمل به .