الحياة ليست فندقًا

 

السنوسي محمد السنوسي

12/6/2013

 

من حكمة الله سبحانه أنه لم يجعل الحياة تسير على وتيرة واحدة، أو في حالة ثابتة؛ بل جعلها تتقلب بين النعيم والشقاء، والعافية والمرض، والغنى والحاجة.. وهكذا.

حتى إذا أصاب الإنسانَ نعيمٌ وراحة وعافية تذكَّر حالات أخرى كان فيها في شقاء وتعب ومرض؛ فلا يغتر بما أصابه من خير؛ بل يدرك أنه من الله وحده، وأنه امتحان واختبار له: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (الملك: 2).  12-6-2013.jpg 

وما دامت الحياة تتقلب بالإنسان بين أحوال متعارضة، فعليه إذن أن يُوطِّن نفسه ويؤهلها للتعامل مع هذه الأحوال، ما يحب منها وما يكره؛ فليس بوسع الإنسان أن يُمضِي الحياة حسب رغبته، بل لابد من أحوال تصيبه بالنكد والغم وضيق النفس.

في هذه الحالات الأخيرة، ليس للإنسان إلا أن يحتمي بالإيمان بالله، ويلجأ إليه سبحانه طالبًا منه المعونة، ويعلم أن ما أصابه هو قدر الله الغالب، واختباره الذي لا مفر منه.

لا يمكن أن تكون الحياة في كل أحوالها فندقًا؛ يأمر فيه الإنسان فيطاع، ويتمنى فيجاب، ويرغب فيحقِّق..

الربيع الأخضر لابد متبوع بخريف يملؤه الغبار.. وهدوء البحر الرائق سيخْلُفه فيضانٌ ربما يَغرَق فيه بشرٌ وشجر كثير..

فإذا ظن الإنسان - لمجرد أنه مر بلحظات سعادة، وراحة بال، وطمأنينة نفس- أن الدنيا هكذا ينبغي أن تكون دائمًا؛ فإنه سرعان ما يجزع عند أول اختبار، ويرسب في بداية الامتحان، ويكون فريسة سهلة للشيطان وحبائله!

أما من وطَّن نفسه على أن الدنيا ساعة وساعة، وأنها دار ممر لا مقر، واختبار لا جزاء؛ فإنه يصمد أمام الشدائد، ويحتسب عند المصائب، ويتذكر دائمًا أن لله ما أعطى، وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار: {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (سبأ: 3).

وأَوْلى الناس بإدراك هذا المعنى هم الشباب؛ لأنهم لَمَّا يستقروا في حياتهم بعد، وطبيعة مرحلتهم العُمُرية هي التقلب بين البدائل، وتجريب الأشياء والأعمال، وربما أصاب أحدَهم الضجرُ أو الملل عند ظروف صعبة تمر به.

ومن الحكمة أن نعمل على غرس هذا المعنى وأشباهِهِ من المعاني التي تعين على مواجهة نوائب الدهر، من خلال مناهجنا التربوية والتعليمية منذ الصغر؛ حتى إذا شبَّ الطفل واشتد عوده صار مسلَّحًا بالعلمِ والمعرفةِ، والفهمِ بأن الحياة من طبيعتها التقلب والتغير، وأن الثبات والخلود لا يكونان إلا بعد الحساب يوم القيامة.

هذا ليس حديث من يُضيِّق على الناس واسعًا، ولا من يُبشِّر بنكدٍ وغمٍّ وشقاء؛ بل هو حديثُ ناصحٍ يقول لك: الحياة مليئةٌ بالتقلبات والمفاجآت؛ فلا تجزع لحادثة الليالي، واعتصم بحبل الله المتين، وقلْ: يا رب؛ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5).