علامة يساوي تختصر المسافات

 

إيهاب عبد السلام

4/6/2013

إنَّ علامة يساوي قد تحل محل السلاح فيهدد بها المظلومون قبل توقيع الظلم عليهم ويبرزونها بقوة وشجاعة.. 

فقد رأيتها في يد سعيد بن جبير رضي الله عنه يشير بها في وجه الحجاج بن يوسف عندما هَمَّ بأن يقتله، فجعلتْ سعيدًا مطمئن النفس هادئ البال حتَّى وهو مقدم على القتل، وليس أشدَّ على النفس منه:  4-6-2013.jpg

فلما مَثُل بين يدي الحجاج، دار هذا الحوار:

الحجاج: ما اسمك؟

سعيد: سعيد بن جبير.

الحجاج: أنت شقي بن كسير؟

سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك؟

الحجاج: شقيت أنت وشقيت أمك.

سعيد: الغيب يعلمه غيرك.

الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارًا.

سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا.

الحجاج: فما قولك في محمد؟

سعيد: نبي الرحمة.

الحجاج: فما قولك في علي، أفي الجنة أم في النار؟

سعيد: لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما.

الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟

سعيد: لست عليهم بوكيل.

الحجاج: فأيهم أحب إليك؟

سعيد: أرضاهم لخالقي.

الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟

سعيد: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.

الحجاج: فما بالك لا تضحك؟

سعيد: أيضحك مخلوق خلق من الطين، والطين تأكله النار.

الحجاج: فما بالنا نضحك؟

سعيد: لم تستوِ القلوب.

ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فوضعه بين يديه. فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا.

ثم دعا الحجاج بآلات اللهو. فبكى سعيد. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد اختر أي قتلة تريد؟

فقال سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.

(لاحظ جمال وروعة علامة يساوي وسعيد بن جبير يبرزها في وجه الحجاج)

قال الحجاج: أفتريد أن أعفو عنك؟

سعيد: إن كان العفو من الله بلى، وأما أنت فلا.

الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه.

فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال: ما أضحكك؟ قال سعيد: عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك.

فأمر بالنطع فبسط بين يديه وقال: اقتلوه!

سعيد: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين".

الحجاج: وجهوه لغير القبلة.

سعيد: "فأينما تولوا فثم وجه الله".

الحجاج: كبوه لوجهه.

سعيد: "منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى".

الحجاج: اذبحوه.

سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.

وعاش الحجاج بعدها خمسة عشر يومًا. وذلك في سنة خمس وتسعين من الهجرة، وكان عُمْرُ سعيد رضي الله عنه تسعًا وأربعين سنة.

وذات يوم أقبل ابن السماك على هارون الرشيد، فقال له الرشيد: يا ابن السماك عِظْنِي، وبيده شربة من ماء.

فقال ابن السمَّاك: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو حُبِسَتْ عنك هذه الشربة أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم. فقال له: اشرب هنَّأكَ الله. فلمَّا شربَ قال له: يا أمير المؤمنين أرأيتَ لو حُبِسَ عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم.

فقال ابن السماك: فلا خير في ملك لا يساوي شربة ولا خروجها! فبكى هارون الرشيد.

أرأيت كم تختصر علامة يساوي المسافات، والمواعظ الطوال، فبمجرد أن وضعها ابن السماك بين مُلْكِ هارون الرشيد، والتمتع بشرب الماء الزلال، والتمكن بعد ذلك من خروجه ليبقى الإنسان معافًى من الأذى-اتضح هوان ذلك الملك وحقارة قيمته، ولم يكن ذلك ليتضح بهذا الشكل المؤثر الذي فتح لدموع الرشيد المجال لولا عبقرية علامتي الحبيبة علامة يساوي. 

ويُروَى أن أبا جعفر المنصور قال لعمرو بن عبيد: عظني.

فقال عمرو بن عبيد: بما رأيتُ، أو بما سمعتُ؟

فقال أبو جعفر المنصور: بل بما رأيتَ.

فقال عمرو بن عبيد: توفي عمر بن عبد العزيز - رحمه اللّه - وخلَّف أحدَ عشر ابنًا، وبلغت قيمة تركته سبعة عشر دينارًا..

- فكُفِّن بخمسة دنانير

- واشْتُرِيَ له موضع قبره بدينارين

- وأصاب كل واحد من أولاده أقلَّ من دينار.

ومات هشام بن عبد الملك، وخلَّف أحدَ عشر ابنًا، فحصل لكل واحد من ورثته مما خلَّفه عشرةُ آلاف دينار.

فرأيتُ رجلا من أولاد عمر بن عبد العزيز قد حمل على مائةِ فرسٍ في سبيل اللّه، ورأيتُ رجلاً من أولادِ هشام يسأل الناس.

يا ألله..!

ما هذه العلامة العجيبة التي تطل بروحها في هذه القصة المؤثرة..! ما الذي جعل ابنًا لعمر بن عبد العزيز يملك كل هذا المال حتى يتصدق بمائة فرس تحمل من النعيم في سبيل الله تعالى، في حين أنه لم يرث إلا أقل من دينار، لا بد أن أباه ترك ما هو أهم من المال جعله يتساوى بل يتفوق على من ورث الآلاف..!

وفي الجانب الآخر ما الذي جعل ابن هشام بن عبد الملك يفقد كل شيء ويسأل الناس..؟!

إنها علامة يساوي بجمالها وبريقها وحضورها العجيب عندما يتجلى من خلالها عدل الله جلَّ في عُلاه.