الانتماء شريان الحياة

 

د. صلاح عبد المتعال

29/5/2013

الانتماء هو احساس وشعور يصاحب نمو الانسان منذ مولده فهو انتساب فطري بصلة الدم أو العصبية أو الأسرة أو القبيلة أو الرهط ومن ناحية أخرى انتساب اجتماعي يتنامى مع تنشئة شخصية الانسان تجاه أسرته ورفاقه وأرضه ووطنه وجنسيته وهويته وعقيدته.1-6-2013.jpg 
وهو أيضا انتساب الى جماعة قوية يحتاج اليها وتحتضنه وبذلك يتقمص شخصيتها وتتوحد نفسه أو ذاته معها، كالحال بالنسبة للأسرة والنادي والحزب والوطن والأمة والحضــارة

الانتماء قيمة ايجابية تعبر عن رابطة اجتماعية ونفسية مع الجماعة، وتختلف دوائر الانتماء للإنسان من الضيق الى السعة (الأسرة، الوطن، الأمة، الانسانية )
ومن لا ينتمي الى شيء فهو لا شيء، اذ أن الانتماء هو شريان الحياة لأي جماعة أو مجتمع أو أمة فلا بد أن يضخ فيه من الصغر قيم الانتساب والانتماء أو الشعور بالنحن، ويطعّم به الإنسان وليحصن لزيادة المناعة النفسية والاجتماعية في حفاظ على وحدة الجماعة أو الوطن، في نفس الوقت أن يكون عضوا فاعلا في المجتمع، وبعبارة أخرى فالمجتمع أو الأمة في داخل المنتمي. 
هناك انتماءات رئيسية وأخرى فرعية

 الرئيسية (الأسرة، الجماعة القرابة الممتدة، الوطن، الأمة
الفرعية لأصحاب، أقران، مدرسة، ورشة، نادي، حزب
ومن خصائص الفطرة الاجتماعية للانتماء أنها تنمو وتزداد مشاعرها مع الزمن، وتعتمد على المودة والحب والعطاء وقيم المشاركة التي تكوّن المصطلحات المستحدثة كالمواطنة والديموقراطية. 

 

وسائل وأدوات

وللانتماء أدوات واساليب

 أولها، اللغة العربية الأم، اذ أن الارتقاء باللغة وآدابها واستخدامها كوسيلة اتصال اجتماعي ومعرفي يعزّز بها الهوية والشخصية أو الشخصية القومية أو الحضارية، ونستحضر موقف فرنسا رفضها حكومة وشعبا اجتياح العولمة الثقافية والاعلامية واتفاقية الجات. 
فالانحدار بمستوى اللغة مؤشر لتفسّخ الشخصية القومية وهذا ما تعاني منه أغلب الربوع في العالم العربي والاسلامي من تشوّه في ملامح الشخصية القومية حيث انجرفت الى تغريب عشوائي في بعض برامجها التعليمية والاعلامية واعلانات السلع والمحال والتجار. 
ثانياً: منظومة ادارة الحكم والعلاقات الانتاجية  من حيث تعهدها بتحقيق الأمن والاستقرار والوفاء بحاجات المواطن الأساسية، والرفاهية والرخاء ان أمكن، كما تتحمل مسؤولياتها لمساندة قيم الانتماء، ومن ثم يجب تعزيز العرف واعمال القانون والذود عن منظومة القيم الانسانية كالمساواة والعدل والحرية. 
وثالث ما تقدم أن أي مجتمع لا يحقق نجاح مسيرته الا بتكافل أعضائه الاجتماعي في اطار التماسك والتضامن العضوي بين الأفراد والجماعات، ذلك تكاملا مع منظومة الحكم والسياسة، ومن ثم يبرز دور المجتمع الأهلي (المدني) أو الجمعيات الأهلية التي تقدم الخدمات والمساعدات في مجالات الرعاية المختلفة (دور التبرعات والصدقات والهبات والأوقاف والزكاة .
رابعا: تعتمد تكوين وتنمية حاسة الانتماء على مسؤولية الأسرة والمدرسة، وجميع وسائل الاتصال والإعلام، لأنها موجودة كفطرة نفسية واجتماعية، ونضوجها على المستوى الوطني يوجّه بوصلة المجتمع تلقائيا نحو التنمية والتقدم أو على الأقل تجاوز التخلف، وقد يخفّف من جهد الرقابة والضبط القانوني والأمني لأن الانتماء يعمل على تشكيل وصياغة الضمير الجمعي الوطني أو القومي أو العقدي. 
خامسا: يعتبر الانتماء هو مداد (حبر) الميثاق الاجتماعي بين الأفراد والمجتمع، يسطّر فيه حقوق وواجبات المواطنة المتبادلة فيما بينهم ومن ثم يسهم الانتماء بشكل أساسي في تكوين منظومة القيم الأخلاقية الحاكمة، أعلاها نصرة الجماعة أو الوطن والتضحية من أجله عند اقتراب الخطر. 
سادس الأمور أن الانتماء قيمة وسطية بين التعصّب الأعمى المتهور للجماعة أو الجنس أو العنصر أو الوطن اذا ما ظلم غيره، وبين رخاوة الاحساس بالمجتمع وتهميشه واللامبالاة، فالغلو وتطرف الشعور بالانتماء يعني التعصب الأعمى الذي يحدث على حساب الانتماءات الانسانية الأخرى كالعصبية، الانحياز القرابي الذي يغلّب نفسه على حساب مسار التنمية والكفاءة، والتعصب المذهبي العقدي الذي يقلل من شأن العقائد الأخرى، والاستعلاء القومي (الشوفونية) التي تقطّع أوصال الروابط مع دول الجوار أو المجتمع الدولي. 
ان الغلو في الانتماء الى مستوى التعصب الأعمى قد يؤدي الى: الانحراف الاجتماعي (جرائم الثأر) أو التعصب للنوع الذكوري أو الأنثوي. 
الانحراف العنصري والشعور بالكراهية أو العداوة تجاه الشعوب الأخرى. 
الانحراف السياسي باصطناع الأزمات السياسية واشعال الحروب العالمية والاقليمية ، كذلك احتدام الاحتكاكات الطائفية وتفعيل التعصب في العمليات الانتخابية والعلاقات السياسية الداخلية. 
ويترتب على وهن الشعور بالانتماء، غالبا، مشكلات معاصرة، مثل التفكك الأسري، الانحلال الاجتماعي، الفساد السياسي والاقتصادي، الهزائم والفشل في مشروعات التنمية، الآثار السلبية لازدواج الجنسية.