العزيـمة تصنع المستحيلات

 

بقلم : خالد خلاوي

20/5/2013

         العزم هو الذي يقوي الإرادة، ويعين على شدائد الأمور وعقبات الطريق، قال الله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (الشورى: 43).

ويعرف العزم على أنه: عَقْدُ القلب على إمضاء الأمر،   20-5-2013.jpg  والقصد على إمضائه، وتنفيذ الأمر الذي تم العزم عليه دون تراجع مع التوكل على الله سبحانه، قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159). فالعزيـمة مع التوكل على الله وحسن الظن بالله تضاعف قوة تحملك من أجل تحقيق أهدافك إلى ما لا نهاية.

و قوة العزم في الخير من صفات الأنبياء والمرسلين والصالحين، قال الله تعالى: { فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35).

والعزيـمة الصادقة تصنع المستحيلات، وتلين الصعوبات.. وخير معين على طلب ما تريد.

قال ابن القيم: «فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف، وحال كامل، ولهذا في دعاء النبي  "صلى الله عليه وسلم"   الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحة: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد»، ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر».

وللحصول على هذا المقام الرفيع لأصحاب العزائم يجب ترويض النفس على العزيمة واكتسابها، قال أحمد بن قدامة المقدسي: «وأشد حاجة الرائض لنفسه، قوة العزم، فمتى كان مترددا بعد فلاحه، ومتى أحس من نفسه ضعف العزم تصبر، فإذا انقضت عزيمتها عاقبها لئلا تعاود، كما قال رجل لنفسه: تتكلمين فيما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصوم سنة».

ويناقض العزيمة ويضعفها: التردد وعدم وضوح الهدف، والخوف الدائم من الفشل، ووضع نتائج سلبية للعمل قبل تنفيذه وتوقع انتقاد الآخرين، ويجب البعد عن كل هذه العوامل السلبية وتحديها والتأسي بأصحاب العزم الصادق الذين قال الله تعالى عن عزمهم وقوتهم في مواجهة الصعوبات: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران: 173-174)، وقال تعالى في الاقتداء بأصحاب العزيمة القوية: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (الممتحنة: 4).

هل فكرت يوما في تعلم لغة أجنبية وعزمت على ذلك ثم ضعفت عزيمتك ومضى الوقت دون أن تتعلم شيئًا؟ فما رأيك فيمن عزم على تعلم لغة في أقل من شهر وتعلمها، إنه الصحابي زيد بن ثابت  "رضي الله عنه"   يقول: «أمرني رسول الله أن أتعلم له كتاب يهود، قال: إني والله ما آمن يهود على كتاب، قال: فما مر بي نصف شهر حتى تعلمته له، قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت له، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم» (رواه الترمذي).

يقول الإمام ابن الجوزي في وصف عزيمة أنس بن النضر  "رضي الله عنه"  : «ولولا جد أنس بن النضر في ترك هواه، وقد سمعت من أثر عزمته لئن أشهدني الله مشهدا ليرين الله ما أصنع، فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ببنانه، فلولا هذا العزم ما كان انبساط وجهه يوم حلف والله لا تكسر سن الربيع».

ويروى أن يزدجرد كسرى فارس أرسل إلى ملك الصين يطلب المدد لمحاربة المسلمين الذين استولوا على بلاد فارس في خلافة عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  ، فأرسل ملك الصين يعتذر عن نجدته بقوله: «إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق عليّ، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، ولو خلي سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهجهم ما لم يهيجوك».

وفي كتابه قوة التحكم في الذات يقول د.إبراهيم الفقي: بعد سفري إلى كندا في عام 1978 فإن كل من قابلتهم في البداية نصحوني بالعودة إلى بلدي, لأني لن أجد عملا، وكان أمامي خياران.. إما أن أقتنع بما يقولون وتهبط عزيمتي وأفقد الأمل، أو أن أنزل إلى سوق العمل وأقوم بحملة بحث إلى أن أجد عملا مناسبا، و قررت العمل بالرأي الثاني، وفي أقل من 48 ساعة كان عندي عرضان للعمل، وبدأت سلم الكفاح كغاسل أطباق، وفي اقل من 8 سنوات أصبحت مديرا عاما لأحد الفنادق الكبرى.

ويقول الشيخ محمد الغزالي: «إن الإسلام يكره لك أن تكون مترددا في أمورك، تحار في اختيار أصوبها وأسلمها، وتكثر الهواجس في رأسك فتخلق أمامك جوا من الريبة والتوجس فلا تدري كيف تفعل، وتضعف قبضتك في الإمساك بما ينفعك فيفلت منك ثم يذهب سدى».

إن العزم على التخلص من الصفات السلبية من شروط النجاح، كما أن العزم على ترك الذنوب والمعاصي وعدم العود إليها من شروط التوبة الصادقة.