حبيبتي علامة يساوي ! 

إيهاب عبد السلام

نشأت بيني وبين علامة يساوي (=) علاقة حب واحترام منذ الصغر، بل إنني لا أبالغ إذا قلت: إنها أول صديقة لي منذ المرحلة الابتدائية، فعندما كانت تظهر على السبورة في مسائل الحساب كانت تعني أن المسألة في طريقها للحل، وأن الطرفين متساويان وأن العدالة والتساوي يتحققان..  18-4-2013.jpg 

كنت أتأملها بِخَطَّيْها الصغيرين المتوازيين المتسقين وكأنهما يشيران إلى أن هناك شيئين تحققت فيهما العدالة، فلا يزيد أحدهما عن الآخر في القيمة، بصرف النظر عن الطول والقصر، فقد يشغل طرف المسألة أغلب السبورة ثم تظهر صديقتي علامة يساوي (=) ولا يكون بعدها سوي رقم واحد ولكنه في النهاية يساوي ما قبله كله بالتمام دون زيادة أو نقصان..!

كنت أرى علامة يساوى وكأنها حَكَمٌ عَدْلٌ، وكنت أشعر بشخصيتها القوية والحاسمة والتي لا تترك للمسألة بقية؛ فتريح النفس والبال.. كنت أتابع المسألة بما يحدث فيها من جمعٍ وطرحٍ وضربٍ وقسمةٍ كما يحدث في الحياة تمامًا.. ثم تظهر علامة يساوي، فتحتضنها عيناي وأنا أبتسم ابتسامة الرضا..

كنت إذا كُلِّفت أو تطوعت بمسح السبورة أعمد إلى علامة يساوي فأمسحها أولاً..؛ لأنني إذا مسحت أي شيء في طرفي المسألة قبلها، أحس بقلقها وحزنها واحمرار وجهها؛ لأنها ستكون في غير موضعها.. كنت أتأمَّلُهَا جَيِّدًا، وأشعر بها، وأتعايش معها، فلو حدث مثلا وكتبها الأستاذ بشكل غير متساوٍ فطال أحد خطيها عن الآخر قليلاً بسب سرعة الكتابة ،يتغير وجهي، ولولا مخافة العاقبة لانطلقت إلى السبورة وقوَّمت علامتي المحببة.  

لا أبالغ أيضًا إذا قلت إن علامة يساوي (=) بصفاتها وعبقريتها صارت مثلي الأعلى، صحبتني بعد ذلك كثيرًا، فكنت أراها بارزة في كثير من المواقف والحكايات، التي أمر عليها أو تمرُّ عليَّ في طريق الحياة..

لكم استدعيتها، واستعجلت حضورها، ولكم احتضنتها وضحكت.. ولكم احتضنتها وبكيت.. حبيبتي علامة يساوي.

أذكر وأنا دون العاشرة من عمري، كَان في قريتنا الصغيرة رجلٌ واحد أشرم (مشقوق الشَّفة العليا) وطفل واحد في مثل سني أشرم أيضًا، وليس بينهما أيَّة أواصر قرابة لا من بعيد ولا من قريب... وكطبيعة الأطفال الفضولية تساءلت وأبديت تلك الملاحظة.. فقيل لي: إن أم الطفل الأشرم كانت الوحيدة في البلد التي تسخر من الرجل الأشرم وتناديه وتعيِّرُه بهذه العاهة، وتتهكم عليه وهي لم تزل آنسة ، وبعدما تزوجت أنجبت طفلاً أشرم..

وهنا كانت علامة يساوي تلوح أمام عيني برَّاقة مشرقة مضيئة، إنَّها هي هي العلامة التي أراها في مسائل الحساب أنيقة ومتناسقة، دقيقةً ومعبَّرة، قويَّة وحاسمة.. حبيبتي علامة يساوي.

وفي ليالي الشتاء وأنا أجلس مؤتنسًا بدفء العائلة، ولم تكن هناك آنذاك وسائل إعلام سوى المذياع وحكاوي الفلاحين البسطاء لبعضهم البعض، لكم كانت تلوح لي "علامة يساوى "كثيرًا في حكاياهم، أذكر من تلك الحكايات أن أحدهم قال:

كنت منذ ليالٍ أسقي حقل الذرة بعد منتصفِ الليل، وكان معي أبي وهو شيخ كبير لا يقوى على العمل، ولكنَّه يعشق الحقل، ولا يجد متعة سوى في متابعة العمل فيه، وقد تأخر دورنا في الرَّي فنام أبي في جانب من الحقل وقد تغطى بعباءته.. وبعد حين بدأ الماء ينساب إلى حقلنا، وكرهت أن أوقظ أبي فأزعجه، فحملت فأسي وأقمت حوله جسرًا صغيرًا في هدوء، يعصمه من المياه ليهنأ بالنوم، وغمرت المياه حقلنا كله ولم يبق سوى الجزء الذي ينام فيه أبي، وقد بدا كجزيرة صغيرة، يحوطها الماء من كل جانب، وقعدت بجانب أبي أحرسه لئلاَّ يتسلل إليه الماء..

وبعد حين.. استيقظ أبي، فلمَّا رأى ما صنعته.. ابتسم، ثم دمعت عيناه وأخذ يلهج بالدعاء لي..

ثم قال: يا بني، يشهد الله أنني فعلت ذلك مع جدِّك في هذا المكان نفسه عندما كنت في مثلِ سنِّك، وقد ردَّها الله تعالى لي على يديك، فسبحان الله العظيم.

كنت أستمع مع المستمعين، ولكن أنا وحدي الذي كنت ألمح علامة يساوي، تجلس معنا وتستمع إلى ما يُحكى، بل وتبتسم وتكركر بالضَّحك، وكأنها تقول: يا حضرات أنا موجودة في كل الأفعال والأقوال ولكن أكثر الناس لا يعلمون..