فض الاشتباك بين مفهومي البدعة والإبداع 

 

أ.د. أمان قحيف

باحث أكاديمي مصري

31/3/2013

يظن بعض الناس أن ثقافتنا الإسلامية المعاصرة 231.jpg   تعاني من وجود التباسات في معاني ودلالات بعض المفاهيم والمصطلحات المتداولة بين المتحدثين والكتاب المتخصصين في الفكر الإسلامي المعاصر، والمثير للدهشة أن ذلك يحدث في الوقت الذي لم تعان فيه ثقافتنا قديمًا من وجود مثل ذلك الغموض أو الالتباس في تعاملها مع تلك المفاهيم والمصطلحات، ولعل ذلك يرجع بالدرجة الأولى إلى وعي المتقدمين بدلالات الألفاظ ومعاني الكلمات أكثر من وعينا بها في عصرنا الحديث الذي يتسم جوه الثقافي العام بالسطحية إذا قسنا درجة عمقه الثقافي بما كان سائدًا في عصور الأولين.

يتصور كاتب هذه السطور أن الغموض القائم والمتحقق في أذهان بعض الناس بين مفهومي «البدعة والإبداع» يأتي في صدارة تلك الالتباسات التي تعاني ثقافتنا المعاصرة من شيوعها في أذهان بعض العامة والخاصة على السواء، لأن هناك من المتحدثين من يختلط عليه الأمر في التفرقة والتمييز بين الدلالات والمعاني التي يشير إليها كل مفهوم من المفهومين المشار إليهما سابقًا، فتكون النتيجة أن يسارع إلى التعامل مع أي نوع من أنواع الإبداع باعتباره من البدع والمحدثات المستهجنة والمستغربة التي لا يمكن قبولها- من الوجهة الإسلامية- أو التعامل معها، ويتخذ بعضهم هذا الموقف من دون تدقيق أو فحص وتمحيص لطبيعة هذا الإبداع ومجاله والرسالة التي يحاول الاضطلاع بها أو تأديتها، وهناك بالمقابل من يأتي بالبدعة ويطرحها على الناس ثم لا يقبل من أحد أن يناقشه أو يحاوره بشأن شرعيتها، بل إن بعضهم لا يتوقف عند حدود عدم قبوله لمناقشة الآخرين إياه بل يسارع من دون تردد إلى اتهام مخالفيه بالحجر على العقل البشري ومنعه من التفكير والإبداع، تلك الأمور التي أقرها الدين الحنيف من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية حيث أكد الإسلام من خلالهما على ضرورة حض الرؤوس الباحثة والمفكرة على ممارسة التفكير والإقدام عليه.

ويرجع شيوع وانتشار تلك الظاهرة إلى العديد من الأسباب التي نشير إليها فيما يلي:

أولًا: إن بعض الباحثين لم يعط الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية ما تستحقه من اهتمام بالدراسة والتعلم قبل أن يسارع بإصدار أحكامه المتعجلة على موقف الإسلام من بعض القضايا والفعاليات ومنها موقفه من الإبداع الإنساني.

ثانيًا: إن بعض من يتحدثون في الدين اعتمدوا على أنفسهم وعقولهم في تحديد معنى البدعة والإبداع من دون اللجوء إلى المراجع والمصادر المتخصصة التي تساعد على توضيح المبهم من المعاني وتكشف المتضمن من الدلالات في كل مصطلح من المصطلحات أو مفهوم من المفاهيم المتداولة بين الناس.

ثالثًا: هناك من العاملين في الحقول الإبداعية من استخف بالقيم وهان عليه التطاول على الثوابت، الأمر الذي جعل بعض المسلمين يرتاب منهم ويحذر من توجهاتهم.

المعنى الحقيقي للبدعة

ولفض هذا الاشتباك لابد أن ندرك أن البدعة لغة هي: «ما استحدث في الدين وغيره» (1) بهذا المعنى تكون البدعة في الدين هي: الأمر الذي يستحدث فيه على غير مثال سابق، أي أنها تكون بمثابة الأمر المدخول على الدين من غير سند شرعي، أما «الإبداع عند الفلاسفة فيعني: إيجاد الشيء من العدم» (2)، والمبدع هو: البديع، والبديع في البلاغة هو: علم يعرف به وجوه تحسين الألفاظ في الكلام» (3).

والبديع اسم من أسماء الله الحسنى، وفي القرآن الكريم: {بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (البقرة: 117)، قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: «فالله عز وجل بديع السموات والأرض أي منشئهما وموجدهما ومبدعهما ومخترعهما على غير حد ولا مثال» (4).

بهذا المعنى ندرك أن البدعة هي ما استحدث في الدين من عبادات لم يشرعها الله تعالى، والبدعة في الدين لا يجوز قولها أو العمل بها على الإطلاق استنادًا إلى حديث الرسول  " صلى الله عليه وسلم"  القائل: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (5).

وإذا كان هناك من يتحدث عن البدعة الحسنة في الإسلام فإننا نود الإشارة إلى أنه لا توجد بدعة حسنة وأخرى سيئة لأن النبي  " صلى الله عليه وسلم"  قال: «كل بدعة ضلالة»، إذن لا توجد بدعة حسنة وأخرى سيئة.. وإذا كان الإمام البخاري رحمه الله تعالى- وبعض الثقات- قد قال: «ونعمت البدعة هذه» فلابد أن ندرك أن ذلك قيل في إطار الحديث عن «قيام الليل في رمضان» (6)، فالأمر يفهم هنا على أنه يشير إلى تأدية صلاة القيام في جماعة، ومعلوم أن قيام ليل رمضان أداه رسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  وأوصى المسلمين به في قوله: «إن الله فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه» (7)، وبهذا يكون للمسألة أصل في التشريع الإسلامي وليست غريبة عن شرع الله تعالى، فصلاة القيام سنها رسول الله وأداها لكن الجديد كان في تأديتها في جماعة حتى لا يتكاسل الناس عنها، فليس في الأمر إيجاد لها على غير مثال سابق.

ولذلك فإن كاتب السطور يميل إلى تقسيم البدعة إلى قسمين: دينية ودنيوية، والبدعة في الدين مرفوضة لأنها تعد زيادة في الدين من دون أصل شرعي، أما البدعة الدنيوية فهي مقبولة إذا كانت تهدف إلى تحقيق مصالح البلاد والعباد ولا تتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا هو الإبداع المسموح به شرعًا والذي يقبله الدين، ويدخل في بابه الإبداع العلمي والإبداع الفكري والإبداع الأدبي والإبداع الفني الذي يهدف إلى معالجة بعض قضايا المجتمع.

من هنا كانت «البدعة هي اختراع شيء يضاف إلى الثوابت الدينية التي لا تستدعي اضافات لها، أما الإبداع في كل ما يتعلق بالشؤون الدنيوية والدولة والمشروع الحضاري، فهذا وارد».

وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يرددون فيه حديث رسول الله  " صلى الله عليه وسلم" : «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، كان عمر بن الخطاب  "رضي الله عنه"  وهو يردد هذا الحديث يقول للناس: «لا تقفوا بأبنائكم عند علومكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم!، وكان يقول في المال، لقد كان لأبي بكر رأي في هذا المال، ولي فيه رأي آخر، ولما قال له الناس طبق السنة العملية لرسول الله  " صلى الله عليه وسلم"  في قسمة أرض خيبر على أرض الشام والعراق ومصر، قال: إننا نحن الآن أمام واقع جديد ولابد أن يكون لنا اجتهاد جديد، إذا كان هناك تمييز واضح بين الإبداع في شؤون الدينا، وكان هذا مطلوبًا وفريضة على المسلمين، وأمرًا مسموحًا به، وبين البدعة في الثوابت الدينية في الوضع الإلهي، الذي ليس هناك إمكانية لاستقلال العقل البشري بإدراك كنهه، إذن الفارق ما بين الإبداع والبدعة في التصور الإسلامي فارق واضح» (8).

الإسلام والإبداع

من ثم نستطيع أن نخلص إلى أن الإسلام الحنيف قد فتح باب الإبداع على مصراعيه إذا كان الأمر يتعلق بأمور الدنيا والمشروع النهضوي للأمم والشعوب، وإذا كان يرتبط بتطوير حياة البشرية أو تحسينها، بل إن ديننا قد جعل ثوابًا كبيرًا وأجرًا عظيمًا لمن ييسر على الناس أمور حياتهم بأي سبيل من سبل التيسير كمن يقدم للبشرية دواء جديدًا لمرض معين أو من يصل إلى كشف علمي مفيد أو عمل فني يواجه به الانحرافات أو عمل أدبي ترتقي به الأذواق وتستمتع به النفوس.

ولقد أكد الإسلام الحنيف كل تلك المعاني والقيم لأنه يريد للبشرية أن تنمو وتتطور مجتمعاتها طبقًا لسنن الله في تطوير هذا الكون، ولأنه يريد أيضًا للمجتمعات البشرية أن تحيا حياة هانئة مطمئنة سواء على المستوى الجمعي العام أم على مستوى الذوات الإنسانية المفردة التي يتكون المجتمع الإسلامي من مجموعها، «ومن هنا عني الإسلام عناية كاملة بالإرشاد إلى الوسائل التي تطهر المجتمع من الجهل، والتي تطهره من المرض، فهو قد حارب الجهل وتتبعه في كل وكر من أوكاره وفي كل لون من ألوانه.. حارب جهل الشرك بالتوحيد، وبث في النفس والآفاق دلائله، ولفت الإنسان إليها وحث على النظر والتفكير فيها، وحارب جهالة التقليد وأنكر على الإنسان أن يسلم عقله لغيره، وأن يقف في عقائده ومعارفه، ووسائل الحياة عندما خلقه الآباء والأجداد من الأوهام والخرافات» (9).

وننتهي في هذا السياق إلى أن الذين يعارضون المشروع الحضاري الإسلامي يفتقدون الدقة عندما تذهب أدبياتهم إلى الزعم بأن الإسلام يقف حجر عثرة أمام الإبداع الإنساني، منطلقين في زعمهم هذا من رفض الدين الإسلامي الحنيف للبدع، تلك القضية التي قد يلتبس فهمها على كثير ممن لم يدرسوا الفكر والثقافة الإسلامية دراسة واعية متعمقة.

الخلاصة

والحق أنه إذا جاز الزعم على بعض تيارات الفكر والثقافات الدينية المغايرة بأنها تقف في وجه الإبداع بنسب مختلفة ومتابينة فإن ذلك لا ينطبق بشكل من الأشكال على المنظومة الفكرية الإسلامية التي فتحت باب التفكير والاجتهاد والإبداع على مصراعيه عندما أقرت بأن من اجتهد وأصاب يحصل على أجرين ومن اجتهد وأخطأ يحصل على أجر واحد، خلافًا للمنظومات الفكرية التي تعاقب من ينتج فكرًا أو ثقافة أو إبداعًا ترى فيه مخالفة لأطروحاتها وتوجهاتها الأيديولوجية، وما موقف الرأسماليين في الولايات المتحدة الأميركية من مواطنيهم الاشتراكيين ببعيد، وكذلك فإن موقف الشيوعيين من مواطنيهم الذين يميلون إلى الرأسمالية هو موقف عدائي بالدرجة الأولى، حدث كل هذا في العصر الحديث في الوقت الذي أعلن فيه الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا قوله للمخالفين: {لكم دينكم ولي دين} (الكافرون: 6).

ولعل أسهل الردود على من يتصور أن الإسلام يقف حجر عثرة أمام الإبداع هو: لو كان الأمر على هذا النحو ما أنجز المسلمون الأوائل حضارتهم التي أدهشت الدنيا وعلمت الناس.

الهوامش

1- المعجم الوجيز- مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية- القاهرة: 1424هـ/ 2003م- ص 40.

2- الموضع نفسه.

3- الموضع نفسه.

4- القرطبي- تفسير القرآن- دار الريان للتراث- القاهرة- ج1- ص 474- وينظر في ذلك ابن كثير- دار التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع- القاهرة- ج1- ص 161.

5- النسائي.

6- القرطبي- تفسير القرآن- ج1- ص 474.

7- رواه النسائي وحسنه الألباني.

8- د. محمد عمارة- حوار الإسلامية والعلمانية- الأزهر- القاهرة- صفر 1433 هـ/ يناير 2012م- ص 135.

9- محمود شلتوت (الإمام الأكبر)- من توجيهات الإسلام- دار الشروق القاهرة- الطبعة الثامنة- 1424هـ /2004م- ص 121 .