قبل أن تتكلم اسأل "روحك" من أين استقيت معلوماتك؟

السكوت ليس جهلا  

د.مسعود صبري

24/3/2013

أضحى الكلام في كل شيء مباحا، فبعض الناس لابد أن يفتحوا أفواههم ،  231.jpg  وأن يبدوا رأيهم، في ما يعرفون وما لا يعرفون، المهم أن يتكلموا فيما يطرح من أمور وقضايا، وأن يبدوا أمام الآخرين مثقفين، فالسكوت – في نظرهم - علامة الجهل، أما أن تقول أي شيء في أي شيء؛ فتلك علامة المثقف  السياسي!!

لكن هل من اللازم أن يبدي الإنسان الرأي في كل مسألة، مهما كانت، سواء أكانت في الفكر، أم في السياسة أم في الدين؟

إن العلماء الفقهاء مع جلالة قدرهم كانوا يتوقفون أحيانا قبل الجواب عن كثير من الأسئلة، وحين يسألون يردون: لا نعلم. وقد ذكر الإمام ابن القيم – رحمه الله- أن الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد بن حنبل خمسة، هي: النصوص من الكتاب والسنة، ثم أقوال الصحابة إن لم يختلفوا، ثم أقوال الصحابة عند الاختلاف، ثم الحديث المرسل والضعيف ثم القياس عند الضرورة، فإن لم يجد في المسألة نصا أو قول صحابي أو قول أحد التابعين توقف، ولم يفت في المسألة، هذا مع جليل قدره في العلم.

وقد سئل الإمام مالك صاحب المذهب المشتهر – رحمه الله- في أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين لا أدري.

وقال ابن مسعود صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أفتى الناس في كل شيء فهو مجنون.

ولكن الأخطر من ذلك أن الإنسان حينما يتكلم لا يسأل نفسه: من أين استقى معلوماته؟ ما هي مصادره، وما مدى صدقها وحجيتها؟

وقد حذر ربنا سبحانه وتعالى من مصادر السوء في نقل المعلومات والأخبار، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [الحجرات: 6].

وعلمنا الفقهاء أن الحكم لابد أن يستند إلى دليل يثمر علما، أو إلى أمارة تثمر ظنا، وهذه قاعدة يتفق فيها أهل الدنيا والدين، والمسلمون وغير المسلمين، فهو أمر مغروز في العقول وتلقاه الناس بالقبول.

بل إن الله سبحانه وتعالى كان يرسل رسله إلى الناس ومعهم بينات وأدلة على صدقهم، بل أحيانا يكون مع النبي البينات الكثيرة، كما قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211].

وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [الأعراف: 73].

وطلب الدليل على صدق الكلام من فطرة الناس جميعا مسلمهم وكافرهم، وقد قال سبحانه: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى} [طه: 133].

ولكن المشكلة الآن أن الناس تصدق ببينة وبغير بينة، فأضحت الإشاعات مصدر ثقة ومعلومات عند الناس، حتى لو ثبت خطأ المعلومات المنقولة؛ وتم نفيها، لكن بعض الناس تثبت عنده المعلومة الكاذبة ويدافع عنها ويصبح هو مصدرها.

ومن شأن العلماء الكبار والعقلاء العظام أن يسكتوا وقت الفتنة، كما من شأن السفهاء أن يخوضوا فيها ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء عن دفع السفهاء، فصار الأكابر -رضي الله عنهم- عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها، وهذا شأن الفتن، كما قال -تعالى-: "وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الأنفال:25]، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله"  اهـ.

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم السكوت وقت الفتن، فقال: " "حتى إذا رأيت شحَّاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوام".

ولا يعني السكوت أن يصمت الإنسان دائما، بل ينظر متى يكون السكوت حسنا، ومتى يكون الكلام حسنا، وقد قال القشيري – رحمه الله-: "والسكوت في وقته: صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال".

غير أن واقعنا الذي نعيش فيه يتطلب منا أن ينطق الحكماء وأن يسكت من علم له وعلى رأسهم السفهاء؛ غير أن السكوت في عالم الفضائيات وصنعة الكلام التي يتربح بها أضحى أندر من الكبريت الأحمر، لكن الدنيا ليست كلها برامج فضائية يتكسب الناس كلهم من ورائها، فعلينا بالصمت وقت الفتنة، وأن يتخير المرء لنفسه ما يرضاه لنفسه، على أن يسير مع الناس حيث ساروا، وأن يعرف متى يتكلم ومتى يسكت، وأن يدرك أن كلامه محاسب عليه عند الله تعالى، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وما أحسن السكوت وقت الفتن.

فاسكتوا قليلا يرحمكم الله.