طريق العظماء

 بقلم : أحمد شعبان الشلقامي

 18/2/2013

 طريق أصحاب الهمم والغايات معلوم الملامح ، فما من كل ذي شأن إلا وقد سار على خطاً ودرب له أركان تتمايز كما يتمايز أصحابها ، تتألف جنباتها من معاني الصبر والثبات والتضحية والعزيمة والإيمان . 1790.jpg

ولم يكن يوما طريق الطموح والريادة مفروشا بورد ،بل الورود هي الدافع للتغلب على أصل هذا الطريق وهو العقبات والصعاب فلولا هذه الصعاب ولولا تحمل السالكين للعقبات ما كانت والريادة وصفا يستحقونه .

فمن سار في ركب العظماء يعلم أن هذا الطريق مظلم موحش قليل من هم عليه ، بعيد المسافات ليس له نهاية لا تكاد ترى خلف كل خطوة إلا الغيوم ، فقط العظماء هم من يملكون رؤية واضحة وأهداف محددة ،هم فقط من يجدون النور في هذه الظلمة .

واسمعوا لهذه الكلمات التي قالها رجل مسجون يعيش يومه  بين انتظار الموت أو بين أسوار تلك السجون (ما يصنع أعدائي بي ؟أنا جنتي وبستاني في صدري أينما رحت لا تفارقني ،أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة ،وإخراجي ، من بلدي سياحة .)  إنها كلمات شيخ الإسلام  ابن تيمية رحمه الله وهو في أشد محنته ، نعم إن وضوح الرؤية والغاية نور على الطريق .

الشوك والغواية

{أَلم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} ..لا يصل إلى نهاية الطريق السعيدة إلا من يستحق،

 لذا ستجد دائما ما يجذبك يمينا ويسارا وعلى قدر ثباتك ستستمر في وجهتك الصحيحة وعلى قدر عزيمتك ستتحمل ألام الشوك الذي يصيبك .

رفيق صادق

إن طريق الحق غربة ووحشته أليمة ، وهذا حال السائرين على درب الحق ، تجدهم قلة في العدد قوة في العدة ، أوزانهم في حساب العارفين ثقيلة وان خفت في حساب الغافلين .

ولهذا فالطريق تحتاج وحشته لرفقة تأخذ باليد وتعين على الغربة ، تؤنس النفس وتجبر خوفها ، ولا عجب أن يهيئ الله لنبيه أبى بكر ،ولصدقه شُرف بصحبة الحبيب ، فكان أبو بكر عند السفر مؤنه وكان النبي عند الغار دفئاً وطمأنينة " ما قولك باثنين الله ثالثهما " ؟!

مدى و عزيمة

أخي الحبيب ..ستجد حينما تسلك درب الخير أن المدى بعيد ، وأن المسافات لا تقاص فيه بالأمتار ، وإنما المقياس هو الأيام والسنين ، لذا فطول المدى تسهله قوة العزيمة ، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ظل يدعو الناس في مكة ثلاثة عشر سنة وما كان منهم إلا أن أخرجوه ولكنه ثبت وظل بعزمه حتى دخلها فاتحاً .

وأخيراً أضع بين يديك هذه الحكاية البسيطة عن رجل استشعر أن لنا قيمة وقدر أفضل مما نحن عليه فكتب أبياتاً حينما قرأتها وجدتني اكتب ما سبق .

 يقول شاعر الإسلام محمد إقبال وهو يتفجَّع على المسلمين وقد زار قرطبة ، ووقف أمام الجامع ولم يجد المسلمين, وجد المسجد قد حُوِّل إلى حانات من الخمر؛ فبكى، وجلس عند الباب، وأنشد قصيدته الفضفاضة الشهيرة في مسجد قرطبة وفيها :

أرى التفكيرَ أدركَهُ خمولِي      *** ولَمْ تَبْقَ العزائم في اشتعالِ

وأصبح وعظكمْ من غير نورٍ   *** ولا سحرٍ يطلُّ من المقالِ

وعند الناس فلسفةٌ وفكرٌ      *** ولكن أين تَلْقِينُ الغزالِي

وجلجلة الأذان بكلِّ حيٍّ      *** ولكنْ أين صَوْتٌ مِنْ بلالِ

منائركمْ عَلَتْ في كلِّ ساحٍ    *** ومسجدكمْ مِنَ العُبَّادِ خالِي .