كن ذكيا و تسامح

 

د.مسعود صبري

10/2/2013

التسامح من شيم الصالحين، وما أحوج مجتمعاتنا اليوم بما تموج به من أحداث إلى إحياء روح التسامح مع من نختلف معهم،  __.jpg  ذلك أن التسامح صفة أصيلة في أخلاقنا ومجتمعاتنا الإسلامية، والله تعالى يعلمنا التسامح، فهو لا يحاسبنا على كل أعمالنا، بل يعفو ويصفح كثيرا عن أخطائنا، كما قال سبحانه: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45].

وما يعاقبنا به ربنا هو جزاء بعض ما فعلنا لا كله، كما قال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]

ويبين الله سبحانه وتعالى أنه لا يتشوف إلى تعذيب الناس وعقابهم، كما قال سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [النساء: 147].

والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا التسامح ،فمن ذلك: لما خرج إلى ثقيف يدعوهم إلى توحيد الله رفضوه وآذوه، وجاء إليه ملك الجبال يعرض عليه هلكتهم، فقال صلى الله عليه وسلم فيما خرجه البخاري: "  أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا "

ولما كُسِرت رُباعيته صلى الله عليه وسلم وشُجَ وجهه يوم أُحد، شَقَ ذلك
على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله ادعُ على المشركين، فأجاب أصحابه قائلاً
لهم: ( إني لم أُبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة ) رواه مسلم

وأقبل ذات مرة الطفيل بن عمرو الدوسي على النبي صلى الله عليه وسلم،
طالباً منه الدعاء على أهل دوس لعصيانهم ، فما كان من رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلا أن رفع يديه مستقبل القبلة قائلا: ( اللهم اهد دوسا ) رواه
البخاري

ولما فتح الله تعالى له مكة عام الفتح، واستقر الأمر له على أهلها،  خاطبهم قائلا: " ما تقولون أني فاعل بكم ؟ " قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم . فقال:
" أقول كما قال أخي يوسف " : ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } (يوسف:92)، ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) رواه البيهقي

التسامح خلق إنساني:

والتسامح خلق إنساني عام، وضعه الله تعالى في قلوب عباده، فلا يتغير مالم يغير الإنسان نفسه، وقد قال الفيسلوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه (François-Marie Arouet) الشهير بـ ( فولتير):

" ما هو التسامح ؟ إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية ، إننا جميعاً من نتاج الضعف ، كلنا هشّون وميالون للخطأ ، ولذا دعونا نسامح بعضنا البعض ونتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل"

وما أروع ما قال الإمام ابن تيمية:" أحللت كل مسلم عن إيذائه لي".

بل لما حاربه الشيخ الصوفي البكري، ووشى به ، وثبتت براءة الإمام، وظلت الشرطة تبحث عن البكري لمعاقبته فيما أخطأ في حق الإمام ابن تيمية، لكنها لم تجده، وظل الناس يبحثون عنه ليقدموه للشرطة، فلم يجدوه، فقد كانت المفاجأة أنه كان مختبئا في بيت الإمام ابن تيمية، وتوسط له للعفو عنه!!

إن من التسامح إيجاد الأعذار للغير، مهما اختلفنا معهم في المعتقد أو المذهب، فقد كان الإمام ابن تيمية – رحمه الله- يقول عن الشيعة الإمامية: " كثيرا منهم ليسوا منافقين ولا كفارا، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله .

وقال عن المعتزلة : إنه مع مخالفتهم نصروا الإسلام في مواطن كثيرة وردوا على الكفار والملاحدة بحجج عقلية .

ويحفظ لنا التاريخ مواقف مشرفة في التسامح وقبول الاختلاف، يقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي نقلاً عن زاهر السرخسي أنه قال : لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات.

يقول الذهبي: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.

إن مجتمعاتنا اليوم أحوج ما تكون إلى التسامح، وقبول الرأي الآخر، والتعاون فيما هو متفق عليه ومشترك، والإعذار فيما الناس فيه مختلفون، فسفينة الأوطان لا يمكن أن تدار بطائفة دون أخرى، بل كل التيارات وقودها ومحركها، وإقصاء أي فصيل يعني العطب في السفينة، وإن سارت فإنما تسير على وجهة غير صحيحة.