بناء الأجساد خيرٌ يكتمل تمامه ببناء الروح والذات

 أحمد شعبان الشلقامي

29/1/2013

 الرياضة من الأمور التي حث عليها الإسلام سواء بدلالة المعنى {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}، {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، أو من خلال السيرة النبوية وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكان دخول الجيش عاملًا من عوامله قوة الجسد (قصة عامر وعمير قاتلا أبي جهل)، كما كان ذلك أيضًا في سيرة الصحب الكرام، كقول الفاروق رضي الله عنه "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل".  _________________________________.jpg

إذن فالرياضة من الأمور المحببة والمرغب بها في الإسلام، ولكن ذلك في إطار ما يريده الإسلام ممن يسعى لممارستها، فالله أمر المسلم أن يكون قويًا "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، كما أن الله جعل هذه القوة مرتبطة بصفات وهي {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}، الفتية هنا لها دلالة على الفتوة والقوة والعزيمة، لكنها مغلفة بالإيمان الذي يتبعه حسن خلق، فلا يكون إيمان بدون حسن الخلق.

فليس المقصود من الرياضة في الإسلام التظاهر والتكبر {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}، إذن ما يقوم به بعضنا من ممارسة رياضات معينة كألعاب القوى ليظهر بمظهر معين فيه خيلاء وعجب، هذا لم يكن للإسلام أن يحث عليه.

بناء الروح

لا يتوقف الأمر فقط عند الممارسات السلبية والنيات غير السليمة التي تكون منهجًا لدى بعض الشباب الباحث عن المتعة واللهو في ممارسة الرياضة، بل هناك خطر لا يستوعبه الكثير منا، وهو أن الجسد القوي لا يكون بفائدة إلا إذا كان جسدًا داخله روح مبنية على الخير والنفع، وهذا لا يحدث إلا بتغذية وبناء سليم تتجسد معانيه في الحرص على التعلم والقراءة وتهذيب الروح، فالشباب حيث القوة والعنفوان والشعور بالعجب والاقتدار أحوج ما يكونون للتوازن الدقيق بين متطلبات الجسم ولوازم الروح، ولأن النفس أميل بطبيعتها إلى إشباع غرائزها وشهواتها المادية، فإن الشباب بحاجة قوية إلى مجاهدة النفس، وممارسة الرياضة الروحية، وترويض الذات على سلوك طريق الحق والهدى والصلاح، لذا فالإسلام وازن بين ذلك.. بين أن يسعى الإنسان إلى إعطاء البدن حقه وإعطاء النفس بكينونتها الروحية حقها.

ولنا في السيرة عبرة، فالقوة وحدها ليست مرغوبة، إذ قد تؤدي إلى فساد القلب والنفس، وهذا كان واقع أهل مكة قبل الإسلام، فعمر الفاروق والمعروف عنه قوة الجسد قبل أن يسلم كان يدفن ابنته وهي حية بسوء فهم وعدم علم وقسوة قلب، فالقوة الجسدية لم تكن تشريفًا لعمر بل التشريف كان في إسلامه الذي هذب روحه وجعل عينيه ينال منها السواد من كثرة بكائه بالليل رجاءً من ربه وخوفًا، بجانب حفاظه على قوة الجسد التي جعلته يقوم على المسلمين وعلى رعايتهم كخليفة للمسلمين.

طرق لبناء الروح

وقبل أن ننطلق إلى مغذيات الروح فإني أدعوك لتأمل هذه الآيات {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (عبس:24)، إنه اهتمام رباني بالبناء ودعوة للنظر إلى الطعام الذي هو أساس بناء الجسد، ولكن الدعوة الربانية تكتمل معانيها في قراءة باقي الآيات التالية والتي تبين أن الله يريد أن يبين لنا أن الطعام ليس مجرد لذة تشبع بها رغبة أو حاجة ولكن تفكر في ذلك إذ تتبع الآيات قوله تعالى {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا} {25} ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا {26} فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا {27} وَعِنَبًا وَقَضْبًا {28} وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا {29} وَحَدَائِقَ غُلْبًا {30} وَفَاكِهَةً وَأَبًّا {31} مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.

وهذه الطريقة الربانية هي من أعظم طرق بناء الروح وتنميتها وتزكيتها إنها "التدبر".

العلم: نعم العلم قيمة عظيمة تخاطب الروح وتبني الذات، فبالعلم ترتقي النفس وتزداد ثقتها.

قيام الليل: شرف المؤمن ودأب المخلصين، فقيام الليل يورث القوة فمن تغلب على نفسه في خلوتها، ملك ذاتًا طامحة.

ذكر الله: ففيه السكينة والطمأنينة فاحرص على أن تكون له ذاكرًا لتملأ نفسك بروحانياته وتكون في معيته.

صاحب الخيرين: فالصحبة الصالحة تورث البهجة والسعادة لأن الصاحب الخير يعينك، يقول ابن القيم: "عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء".

كن صاحب هم: أي اجعل لنفسك غاية وهدفًا تجعل من ذاتك قيمة، وانظر إلى ما رواه الحاكم عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع رضي الله عنه وأرضاه في القتلى، وقال لي: "إن رأيته فأقرِئْه مني السلام، وقل له: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني كيف تجدك؟" قال زيد: فجعلت أبحث عنه في القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، به سبعون ضربة؛ ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورمية سهم، فقلت له: يا سعد، إن رسول الله يقرئك السلام، ويقول: أخبرني كيف تجدك؟ قال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وعليك السلام، قل له: إني -والله- لأجد رائحة الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف، ثم فاضت روحه رحمه الله.

ثبت سعد وعلَّم غيره دروس الثبات وهو يودِّع الدنيا، فما أوصى بأهل، وما أوصى بمال، كان همُّه أعلى وأغلى، لذا ظلت سيرته باقية حتى بعد موته بمئات السنين.