الجنة للجميع في الفكر العلماني

 

د.مسعود صبري

7/1/2013

يطيب لبعض المثقفين أن يكونوا توافقيين، يحاولون أن يجمعوا بين المتناقضات، حتى لو كان هذا التناقض بين الكفر والإيمان، بين الإلحاد والتوحيد، فقد كتب أحدهم على حسابه ب "توتير":  162.jpg  

" من هو الأبله الذي يتصور أن الله خلق مليارات البشر لكي يلعبوا دور الكومبارس في تمثيلية ،مشهد النهاية فيها ،أن يدخل المسلمون فقط إلى الجنة".

فالله تعالى لم يخلق الناس عبثا، ولم يأت بهم للدنيا من أجل تمثيلية، فنحن في هذه الدنيا في ابتلاء واختبار، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك: 1، 2]

وقد خلقنا الله تعالى مختلفين لنكون في اختبار بين من يتبع الحق ومن يتبع الضلال، والمصير للفريقين لا يستوي عند الله، وإن كان عند بعض العلمانيين واحد، وقد قال ربنا سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]، فالله تعالى سيحكم بين الأمم المختلفة في الملة والعقيدة، لأن كلا منها يدعي أنه صاحب الحق، وعند "القيامة" ينكشف الزيف.

ومن أسماء الله تعالى أنه العدل، فلا يستوي عند الله من آمن به ووحده، ومن كفر بدينه وأشرك معه غيره، ولأجل عدل الله تعالى، بين أن الناس في الآخرة فريقان، كما قال سبحانه: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]

وبين الله تعالى أن جهنم مصير الذين ماتوا على الكفر، كما قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } [البقرة: 161، 162].

وأوضح  ربنا - مع رحمته ومغفرته لعباده- أنه لا يغفر لمن مات على الكفر والشرك، كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا . إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [النساء: 168، 169]

وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } [التوبة: 68]

والخطأ عند المثقفين في مثل هذه القضايا أنهم يخلطون بين ما يقبل التفكير والاجتهاد ،وبين ما هو ثابت من الدين بالضرورة، خاصة فيما يتعلق بعالم الغيب، فعالم الغيب مجاله التسليم لأمر الله بما صح من القرآن والسنة، أما عالم الشهادة فمجاله العقل والتفكير، فعالم الغيب من القبر والآخرة  ليس سبيله التفكير العقلي، بل سبيله المنقول عن الله ورسوله.

أصناف الناس في الآخرة:

وقد بين علماء الإسلام أن الناس متفاوتون في الآخرة، وهم على أصناف:

الصنف الأول: الموحدون الأبرار الذين لم يقترفوا من الآثام شيئا، فأولئك يدخلون الجنة، كما قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ . يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ . خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } [المطففين: 22 - 26]

الصنف الثاني: الموحدون الذين ارتكبوا الصغائر، فأولئك يدخلون الجنة أيضا؛ لقوله تعالى: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32].

الصنف الثالث: الموحدون أصحاب الكبائر، وهؤلاء على أنواع:

النوع الأول: من ارتكب الكبائر وأقيم عليه الحد في الدنيا؛ فهو كفارة له في الآخرة، فهو من أهل الجنة.

النوع الثاني: من ارتكب الكبائر وستر نفسه وتاب إلى الله وتاب الله عليه، فهو من أهل الجنة.

النوع الثالث: من ارتكب الكبائر ولم يتب ولم يقم عليه الحد؛ فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، ودخل الجنة، وإن شاء حاسبه في الآخرة، إن غلبت سيئاته حسناته، فيدخل النار حتى يطهر نفسه مما ارتكب من الكبائر، ثم يخرجهم الله تعالى من النار إلى نهر يقال له (نهر الحياة)، فينغمسون فيه ويتطهرون منه، حتى يعودوا إلى هيئتهم الأولى، ويكتب على قفاهم( الجهنميون)، ثم ينادى :أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال بر (قمح) من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

النوع الرابع: أهل الكفر والشرك، وأولئك يدخلون جهنم من أبوابها، بخلاف المؤمنين فإنهم يمرون على الصراط، فالصراط خاص بأهل الجنة، أما المخلدون في النار فيدخلونها من أبوابها.

قال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ.قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ . وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ .وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)} [الزمر: 71 - 74]

والخلاصة:

إن الإسلام دعا العقل للتفكر والتدبر، فيما كان مجاله عالم الشهادة والواقع، أما عالم الغيب، ففيه الإيمان بما جاءنا عن ربنا وعن رسولنا عليه الصلاة والسلام، وإعمال العقل في عالم الغيب من أهم أخطاء الفكر العلماني ومن سار على نهجهم.