الحيادية وقت الأزمات

 الشيخ حامد العطار

16/12/2012

 يحب بعض الناس ألَّا يبدي موقفًا أو رأيًا  حينما تتعدد الآراء والمواقف، وتتشتت المذاهب والمدارس، رغبة منه أن يبقى على الحياد من الرؤى جميعًا، فيكون محل ثقة وإعزاز من الجميع، فلا يخسر ثقة أحد الفرقاء، ولا يناله سهم اتهام من أحدهم.  136.jpgفما قيمة هذا المبدأ في التصور الإسلامي؟ وما موضع هذه العقلية في النسق الإسلامي الصحيح، خاصة أن هذا الموقف بدأ يتسلل إلى بعض علماء الدين والمفكرين الإسلاميين، بل طال بعض المؤسسات الدينية!!

 

قد يتصور البعض أن النصوص الشرعية في هذا الأمر عزيزة نادرة، وربما تصور أن النصوص سكتت عنه تمامًا فيدخل في منطقة العفو، والحق أن القرآن نفسه تحدث عنه في  غير موضع منه، فمن ذلك، قوله تعالى واصفًا هذا الدين بصفاته الأساسية التي لا تنفك عنه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (الروم:30)، وقد جاء وصف الدين بهذه الصفة الأساسية (الحنيفية) عشر مرات في القرآن، ومعنى "حنيفًا" أي "مائلًا ومنحازًا" قال الزمخشري في الكشاف:

"والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. والحنف: الميل في القدمين. وتحنف إذا مال. وأنشد:

وَلكِنّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا ... حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ دِينِ([1]).

وقد ذكرت معظم التفاسير هذا المعنى، منهم من نقل عن الزمخشري ومنهم من لم ينقل، والمراد أن رسول الله [ أمر، وأمرت معه أمته أن ينحاز ويميل إلى الحق حيث وجد، وأن ينحاز ويميل عن الباطل حيث وجد، وأن يعلن هذا الانحياز إلى الحق في وضوح لا لبس فيه، وفي مضاء لا تردد فيه، وقد كان رسول الله [ يعلم أصحابه أن يفتتحوا يومهم بهذا الإعلان المدوي، فقد روى النسائي من حديث عبدالرحمن بن أبزى في عمل اليوم والليلة، قال: كان رسول الله [ يعلمنا إذا أصبح أحدنا أن يقول: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد [، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"([2]).

 

ومن الآيات التي تحدثت عن هذا المبدأ أيضا، قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143)، فهذه الأمة أمة شاهدة لا أمة ساكتة، شاهدة مقبولة شهادتها؛ لأنها تشهد بالحق وللحق([3]).

 

ومن الآيات التي تشهد لهذا المعنى أيضًا، قول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (التوبة: 71)، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتنافيان مع الأمة الساكتة المحايدة، التي لا تنكر على أصحاب الباطل، ولا تأمر الناس بالمعروف والخير والبر.

 

لقد أراد المحايدون أن يكسبوا ود الفرقاء جميعًا، فهتفوا قائلين: نحن نقف على مسافة واحدة من الجميع!! فهل هذا هو منهج القرآن ألَّا يقترب من الحق إلا بنفس قربه من الباطل، وألّا يتباعد عن الباطل إلا بنفس بعده عن الحق! أين هذا من قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر:18)؟ وهل جعل الله هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس إلا بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}  (آل عمران:110)، فهي ليست أمة ساكتة، بل أمة تشهد على غيرها، وتأمر وتنهى وتوالي وتعادي، والموالاة اقتراب من صاحب الموقف الحق، والمعاداة ابتعاد وتبرؤ من صاحب الموقف الباطل، فكيف يستقيم هذا لمن قرر أن يقف على مسافة واحدة منهما؟!

 

 وفي الصحيحين من حديث أنس أن رسول الله [ قال: «المؤمنون شهداء الله في الأرض» بل جعل ديننا شهادة عدول هذه الأمة، وعلى رأسهم صحابة رسول الله [ في حق الموتى شهادة مقبولة غير مردودة، يتحدد بها مصير المشهود له من جنة أو نار، فعن أنس قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي [: «وجبت» ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت» فقال عمر: ما وجبت؟ فقال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض»([4]) وعن أنس رضي الله عنه أن النبي [ قال "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين إنهم لا يعلمون إلا خيرًا إلا قال الله: قد قبلت علمكم فيه، وغفرت له ما لا تعلمون"([5])

 

إن حديثنا ليس عن الموقف أمام خيارات الناس واختلافاتهم حول الأذواق والمأكولات والمطعومات والمشتهيات والمنتزهات، فلكل شخص في هذه المساحات أن يختار ما يحلو له منها، ولكل شخص أن يسكت أو أن يفصح عن خياره فيها، لكن الحديث عن الحيادية أمام القضايا الكبار، أمام القضايا المصيرية، أمام قضايا الحق والباطل، أمام قضايا الظلم والعدل، أمام قضايا المصالح والمفاسد، أمام قضايا المضار والمنافع، وقديمًا قال مارتن لوثر كينغ،  بحق: "أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة" وقد صدق مارتن، فإذا لم يكن من لا ينحازون للحق في معركته أمام الباطل، وللعدل في معركته أمام الظلم، وللفضيلة في معركتها أمام الرذيلة من أسوأ الناس فمن يكون!!!

 

إن أصحاب هذا الموقف الساكت، وتلك المسافة الواحدة إنما يبحثون عن مصلحتهم وحدهم، فهم يريدون أن يكون طرفا الموقفين لهم من الأصدقاء؛ وقد قال أبوذر قديمًا: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك الحق لي صديقًا ([6]). يظنون أنفسهم أذكى من الفريقين جميعًا، لكن الحقيقة أن الناس يكشفون موقفهم ويعرفون حقيقتهم، ولا يثقون بهم ولا يعتمدون عليهم،

 

وأخيرًا، فإن الإسلام أقر مبدأ يحقق ميزة الحيادية التي بها حمدت بين الناس، وهو مبدأ العدل والإنصاف، ننصف عدونا من أنفسنا ومن أصدقائنا متى كان الحق معه، ونتبرأ من الصديق لصالح العدو متى كان الصديق ظالمًا، قال الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)

ويقول: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} (النساء: 107).

ــــــــــــ

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

1-         الكشاف( 1/194)

2-          السلسلة الصحيحة ( 6/1230)

3-           انظر ( 2/5) من تفسير المنار.

4-           صحيح الترغيب والترهيب (3 / 207)

5-           رواه أبويعلى وابن حبان في صحيحه، وقال الألباني : (حسن لغيره)   صحيح الترغيب والترهيب (3 / 207)

6-           كشف الخفاء (2 / 215)