كيف رأى القرآنُ الشبابَ؟

 بقلم :  محمد شعبان أيوب

2/12/2012

 إن نظرة القرآن الكريم للنفس الإنسانية عمومًا هي نظرة التوجيه والرحمة والهداية والحنو والأمل والسعادة والرأفة وترسيخ معاني الطمأنينة وغيرها من المعاني التي تبعث في هذه النفس كل قيمة مطلقة تأخذ بنا تجاه الهدوء والسكينة والراحة والجنة في نهاية الأمر.  103.jpgوهذه النفس التي يراها القرآن غير متقولبة في طور واحد، فهي متغيرة ما بين الاطمئنان والضيق، وما بين الرضا والشقاء، بيد أن هذا الكتاب الرباني المعجز يحرص على أن «يأخذ الإنسان كما هو بفطرته وميوله الطبيعية واستعداداته، ثم يسير به من حيث هو كائن، ومن حيث هو واقف.. يسير به خطوة خطوة، صعدًا في المرتقى العالي، على هينة وفي يُسر، فيصعد وهو مستريح، هو يلبي فطرته وميوله واستعداداته، وهو ينمي الحياة معه ويرقيها لا يحس بالجهد والرهق، ولا يكبل بالسلاسل والأغلال ليجر في المرتقى، ولا تكبت طاقاته وميوله الفطرية ليحلق ويرفُّ، ولا يعتسف به الطريق اعتسافًا، ولا يطير به طيرانًا من فوق الآكام، إنما يصعدها به صعودًا هينًا لينًا وقدماه على الأرض وبصره معلق بالسماء، وقلبه يتطلع إلى الأفق الأعلى، وروحه موصولة باللّه في علاه»(2).

والشباب هم التجسيد لحيوية وسمو هذه النفس وقوتها ونشاطها، ولعل ما يندهش له القارئ الكريم ألا يجد لفظة «الشباب» في القرآن الكريم ولو لمرة واحدة، بل يزداد تعجبه حينما يرى أن القرآن يعبر عن هذه المرحلة المهمة من عمر الإنسان بالفتوة، وهي عند علماء اللغة صفة تجمع ما بين الشباب والكرم والشجاعة، بل إن العلامة النسفي يقول في تفسيره: «الفتى من لا يدعي قبلَ الفعل، ولا يُزكي نفسه بعد الفعل»(3)، إشارة إلى الإخلاص الذي يجب أن يتمتع به الشاب المسلم، بل الأعجب من ذلك أن قصص القرآن المتعلقة بالفتوة هي قصص تؤكد على قدرة هذه الفئة من المجتمع على التغيير، بل على الفهم والوعي الذي ربما لا يوجد عند من هم أكبر منهم سنًّا، وأكثر منهم خبرة!

إن نبي الله إبراهيم هو نموذج الشاب الذي اصطفاه الله لرسالاته، هو النموذج المبهر لقوة الشباب والعقل معًا، انظر إلى حواره المنطقي والعقلي الرائع مع قومه كلهم، هو وحيد بينهم، لكنه قوي الإرادة، ثاقب الذهن، قادر على الإقناع بالحجة والمنطق، مؤمن إيمانًا راسخًا بما يقوم به، إنه شاب استطاع أن يغير القناعات والعقائد الفاسدة التي تأصلت في نفوس قومه، وما أعظم هذا الحوار القرآني الخالد الذي يصور لنا تلك المشاهد الحية التي يستطيع كل منا أن يتخيلها وكأنه ناظر إليها من قريب، يقول تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)}( الأنبياء: 51- 57).

لقد حسبه قومه شابًّا لاهثًا لاعبًا يريد المجادلة من أجل الجدال، وما أغربها من نظرة استعلائية لا تقيم لهذا الشاب وزنه، إنها ذات النظرة التي تُوجّه للشباب اليوم، فهم في نظر كثير من الناس نموذج للضياع والحمق والتفاهة، لكنه- عليه السلام- يقبل هذا التحدي {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)} (الأنبياء:58- 70)، لقد استطاع أن يحطم هذه العقائد البالية على صخرة الحقيقة والعقل، لقد استطاع أن يغير هؤلاء بالفعل، لقد رجعوا إلى أنفسهم وأقروا ببغيهم وكبرهم وانحلالهم، ومع ذلك أصروا واستكبروا استكبارًا، ورغم ذلك ضحّى هذا الشاب في نهاية الأمر بنفسه من أجل ما يؤمن به، لكن الله سلّم ونجّاه من النار.

إن الشباب هم القوة القادرة على التغيير، وطالما أن القرآن يقر بذلك فهذه سنة يؤكدها التاريخ والواقع، فقصة أصحاب الكهف هي قصة التضحية والإرادة والإيمان بالله الذي لا تشوبه شائبة، إنها رمز للوحدانية المطلقة متجسدة في تضحية مجموعة من الشباب الطاهر النقي، شباب دعا إلى عقيدة التوحيد بالله- عز وجل- عندما رأوا ضلال قومهم وعبادتهم الطواغيت من دون الله، فهُم {فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)} (الكهف:13- 15)، ولقد علّق العلامة ابن كثير رحمه الله على هذه الآيات بما يؤكد على كون الشباب هم القوة القادرة على التغيير تجاه الحق، فيقول: «ذكر تعالى أنهم فتية- وهم الشباب- وهم أقبلُ للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وعَسَوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله [ شبابًا، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بَقُوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا»(4).

ولكون هؤلاء الشباب دافعوا ونافحوا وضحّوا بأنفسهم من أجل ما يؤمنون به، جعلهم الله آية للعالمين، يعلمها قارئ القرآن الكريم إلى يوم القيامة، لقد علم قومُهم حقيقة الوحدانية والبعث من خلال هؤلاء الفتية الذين بعثهم الله من نومهم، صحيح أن ثمرة ما قاموا به لم تتجل إلا بعد ثلاثمائة ونيف من السنين لكنهم استطاعوا بفضل الله أن يكونوا أداة لتغيير مجتمعهم، وهي ثمرة بلا ريب عظيمة، لم يستطع أحد أن يقوم بها إلا هُم.

وأما يوسف الصديق \ فهو شاب آخر ووجه باهر من وجوه البذل والتضحية من أجل الإيمان بالله والاستعصام به، إنه نموذج الشاب الطاهر العفيف الذي أعانه الله على تغيير سمت الشرك والإلحاد الذي أصاب المجتمع المصري القديم لقرون عدة، ولا غرو في ذلك فلقد أتاه الله العلم والحكمة والنبوة يقول- عز وجل-:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 22)، وقد ابتُلي هذا الشاب بإغواء امرأة العزيز له، لكن الله أعاذه من مكرها، فكان السجن أحب إليه من هذه الرذيلة، في السجن مارس يوسف \ الدعوة إلى ربه بالقول والعمل، فيختصر السياق القرآني «ما كان من أمر يوسف الشاب في السجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فوجّه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية، فغضب عليهم في نزوة عارضة، فألقي بهم في السجن.. يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أَنِسا إليه، فهما يقصّان عليه رؤيا رأياها، ويطلبان إليه تعبيرها، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك(5) وبقية القصة معلومة ومعروفة، فقد استطاع يوسف \ أن يصبر في السجن سنين عدة، وقد احتاجه الملك في تأويل الرؤيا، ثم اعتمد عليه في تسيير شؤون مصر في قحطها ومحنتها، فكان خير وزير للمالية والزراعة في مصر القديمة، وكانت كفاءته العلمية والإدارية وأخلاقه محل إعجاب الجميع حتى آمن آلاف من أهل مصر بدين إبراهيم الذي جاء به يوسف الشاب \ مبشرًا وداعيًا.

هذه إذن نظرة القرآن الكريم للشباب، إنها نظرة تؤكد على قدرة هذه الفئة من المجتمعات على إحداث التغيير، وهو تغيير ليس عضليًّا جسمانيًّا بطبيعة المرحلة التي تؤهل هؤلاء لذلك، وإنما هو تغييرٌ إيمانيٌّ عقلي حياتي وجداني كذلك، ولا عجب أن نرى ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم من تغيير منطلقُهُ ومبتداه من الشباب، فصدقَ كلامُ رب العزة الذي أخبرنا أن التغيير سنة من سننه الثابتة، وأن الشباب هم وقود هذا التغيير.

 

 

 

الهوامش

 

1- باحث مصري في التاريخ والتراث.

2- سيد قطب: في ظلال القرآن، 1/221، 222.

3- النسفي: مدارك التنزيل وحقائق التأويل، 2/227.

4- ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، 5/140.

5- سيد قطب: في ظلال القرآن ، 4/1987.