الشيخ الطبلاوي للوعي الشبابي : أتوسم خيرًا في حفظة القرآن من الجيل الجديد

 هالة عبدالحافظ - القاهرة
دار الإعلام العربية

قالوا عنه آخر حبة في سبحة القرّاء، تجاوزت جموع محبيه الآفاق والحدود، تنقل بين جميع بلدان العالم الإسلامي وغير الإسلامي صادعًا بآيات الذكر الحكيم، وتميز بصوت قوي متميز يُقلَد ولا يُقلِد.. هذا هو المقرئ الشيخ محمد محمود الطبلاوي الذي التقته «الوعي الإسلامي» للحديث عن مسيرته النورانية وأبرز محطاتها وذكرياته فيها.. إلى التفاصيل.

خضت تجربة قرآنية ومسيرة نورانية على مدى سنوات عمرك.. فما أبرز المحطات الرئيسية في رحلتك مع كتاب الله؟  1.jpgهذه المسيرة عبرة لمن يريد أن يسلك طريق الحق والإيمان، وأحب أن أعرف نفسي بأني محمد محمود الطبلاوي نقيب القراء، وقارئ الأزهر الشريف، بدأ طريقي مع كتاب الله من عمر الخامسة وانتهيت من حفظه كاملاً في عمر التاسعة، وحرصت على مداومة مراجعة شيوخي حتى لا يتفلت مني، ولم يكن الطريق مفروشًا بالورود، لكني بفضل الله امتلكت إزاء العديد من الصعاب والمشاق التي واجهتني عزيمة لا تلين، دعمتها بحبي للذكر الحكيم، وكان والدي يضرع إلى السماء داعيًا رب العباد أن يرزقه ولدًا ليهبه لحفظ كتابه الكريم وليكون من أهل القرآن، واستجاب الخالق القدير لدعاء عبده الفقير إليه، ورزق والدي بمولوده الوحيد، ففرح بي فرحة لم تعدلها فرحة في حياته كلها، لا لأنه رزق ولدًا فقط، إنما ليكون له ابن من حفظة القرآن الكريم، ووالدي فعل خيرًا عندما أصرّ وكافح وصبر وقدم لي العون والمساعدة، ووفر لي كل شيء حتى أتفرغ لحفظ القرآن الكريم.
ما الصفات التي يجب أن يتميز بها قارئ القرآن؟
صفات القارئ الجيد أن تكون له مدرسة خاصة به في التلاوة، فلا يُقلد أحدًا؛ أي «يُقلَد ولا يُقلِد»، مع حفظ القرآن الكريم بأحكامه، مع مخارج الحروف، وإعطاء كل حرف حقه.. ومن خلال تجربتي الشخصية مع التنزيل الحكيم فإنني بدأت قارئًا صغيرًا غير معروف كأي قارئ شق طريقه بالنحت في الصخر، وملاطمة أمواج الحياة المتقلبة، كل ذلك في بداية حياتي القرآنية قبل بلوغي الخامسة عشرة من عمري.. وكثيرًا ما كنت أتحين الفرصة التي أخلو فيها مع نفسي وأتذكر بدايتي مع القرآن ونشأتي وأول خطواتي على درب الهدي القرآني، وما وصلت إليه الآن فأشعر أنني مدين بالكثير والكثير لكل صاحب فضل عليَّ بعد ربي العلي القدير، فأدعو لوالدي ولمشايخي بالرحمة والمغفرة، ولزملائي الذين شجعوني واستمعوا إليَّ وأنا صغير وجعلوني أشعر بأنني قارئ موهوب.
أيضًا في مجال الدعوة إلى الله عليه أن يقرأ القرآن بما يرضي الله، فكل ما خرج من القلب، يصل إلى القلب، فالإنسان عندما يقرأ بقلب حاضر ونية سليمة، يستطيع أن يصل إلى جموع الناس، والشخص الذي يُحبه الله، يحبب فيه عباده، فمثلاً الشيخ محمد رفعت توفي منذ زمن بعيد لكنه ما يزال حيًّا بيننا بصوته، فالتقوى أساس كل شيء، ولا بد من المداومة بشكل يومي على قراءة القرآن في حدود خمسة أجزاء في اليوم، وعن نفسي أبدأ قراءته يوم الجمعة وأختمه يوم الخميس، بمعدل ختمة كل أسبوع.
وماذا عن بداية انتشارك في العالم الإسلامي؟
- لم أنتظر أن يأتي إليّ الراغبون،  

يجب إحياء «الكتاتيب» وتحسين أحوال القائمين عليها!

بل حرصت على أن أتنقل بين جميع الأرجاء تاليًا ومجودًا للتنزيل الحكيم، فسافرت إلى أكثر من ثمانين دولة عربية وإسلامية وأجنبية، بدعوات خاصة تارة، ومبعوثًا من قبل وزارة الأوقاف والأزهر الشريف تارات أخرى، ممثلاً مصر في العديد من المؤتمرات، ومحكمًا لكثير من المسابقات الدولية التي تقام بين حفظة القرآن من كل دول العالم.. ومن الدعوات التي أعتز بها دعوة تلقيتها لأتلو القرآن أمام جموع المسلمين لأول مرة في تاريخ اليونان، كذلك دعوة من الحكومة الإيطالية لتلاوة القرآن الكريم بمدينة روما لأول مرة أمام جموع غفيرة من أبناء الجاليات العربية والإسلامية هناك.. فضلًا عن مئات الزيارات لمختلف دول العالم العربي لاسيما دول الخليج.. وكنت دائمًا أتجول بين البلدان، لإحياء الليالي القرآنية.
أعتقد أن هناك محطة سابقة لانطلاقتك الخارجية ألا وهي محطة التحاقك بإذاعة القرآن الكريم؟
- بالفعل، فمع تزايد طلابي نصحني كثير من المحبين بالتقدّم للالتحاق بالإذاعة كقارئ بها، فاستجبت لذلك دونما إصرار، إلا أنني لم أجتز الاختبار في المرة الأولى، بل تكرر أكثر من مرة اعتمدت بعدها قارئًا بالإذاعة بإجماع لجنة اختبار القراء، وحصلت على تقدير «الامتياز»، وكان ذلك في العام 1970م، والحمد لله أنني كنت القارئ الوحيد الذي اشتهر في أول ربع ساعة انطلق فيها صوتي عبر الإذاعة، فاختزلت موهبتي القرآنية المسافة الطويلة التي تفصل القارئ مع مستمعيه من التلاوة الأولى التي انطلق بها صوته الرخيم عبر أثير الإذاعة إلى جميع أرجاء مصر والأمة العربية والإسلامية، وكانت إشكاليتي مع الإذاعة تتمثل في الانتقال النغمي، وكانوا يأخذون علي افتقاري للانتقال الموسيقي في أدائي، وكان ردي دائمًا أني لا أؤمن بالموسيقى، وطبيعة القرآن لا تحتاج إليها، ويكفي أن الله منحني صوتًا ونفسًا وأداءً، والحمد لله الذي منحني هبات عديدة.
تنقلت بين العديد من بلدان العالم.. فما أبرز المواقف التي لا تُنسى في حياتك؟
- تعرّضت على مدار سنين عمري للعديد من المواقف، كنت ذاهبًا إلى الهند، وتحديدًا إلى جامعة «الندوة» لحضور مؤتمر بصحبة دكتور زكريا البري وزير الأوقاف في ذلك الوقت، وتأخرت بنا الطائرة، وحضرنا الحفل بعد بدئه بربع ساعة، والشيخ أبو الحسن الندوي كان عالمًا جليلاً، وكان يعرفني شخصيًا، وفور دخولنا الحفل زج بي الشيخ البري في مقدمتهم؛ لأني كنت أرتدي الزي الأزهري، وإذا بالشيخ أبو الحسن يصيح بصوته الجلي قائلاً: «الآن حضر وفد مصر وعلى رأسه الشيخ الطبلاوي، فلنبدأ حفلنا من جديد».
< حدثنا عن أهمية الكتاتيب في تعليم وتدريس القرآن الكريم وأهمية الحاجة إلى عودتها مجددًا؟
- أتمنى عودة الكتاتيب مجددًا؛ لأنها خرَّجت كل القراء والعلماء العظماء كالشيوخ مصطفى إسماعيل، عبدالباسط عبدالصمد، محمد صديق المنشاوي، والشيخ محمد الغزالي العالم الجليل، الشيخ يوسف القرضاوي، وذلك لأن الكتّاب كان به نظام حفظ متقن، حيث كان يتم حفظ «لوح» ويتم قراءته وتسميعه على الشيخ أو كما كان يطلق عليه «سيدنا»، إضافة إلى استرجاع ما تم حفظه سابقًا حتى لا يُنسي، هكذا كان النظام المتبع، فالحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، والحفظ في الكبر كالنقش على الماء؛ أي يُمحَى من الذاكرة سريعًا.
< وهل في حال عودتها ستحقق أغراضها، وتُخرج علماء أجلاء مثلما كانت قديمًا؟

تضرع والدي إلى رب العباد أن يرزقه ولدًا من أهل القرآن


- بالفعل ستخرج الكثير من المستويات الفكرية، سواء كانوا قراءً أو كتابًا أو علماء، حيث قال الرسول الكريم " صلى الله عليه وسلم" : «الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة»، لكن الإشكالية في المحفظ، فإذا لبينا احتياجاته المادية ينعكس أداؤه وإخلاصه على الطلاب، حتى يكون لديه القدرة على العطاء ومواجهة ضغوط الحياة، ولابد أن يكون المحفظ ذا مظهر مشرف، له وللبلد الذي ينتمي إليه.
مَن أبرز الشيوخ الذين تتلمذت على أيديهم وماذا تتذكر لهم؟
- بالتأكيد الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وأتذكر أنه كان يسكن قريبًا مني أمام مسجد مصطفى محمود بمنطقة المهندسين، وكان دائمًا يتصل بي بعد صلاة العصر، ويسألني إذا كنت مشغولاً بشيء كي يأتي ليجلس معي، وأتحدث معه أمام البيت في القرآن ولياليه، فكان من أقرب أصدقائي هو والشيوخ مصطفى إسماعيل، محمد صديق المنشاوي، عبدالعظيم زاهر، كامل البهتيمي، وكلهم شيوخ أجلاء.
ومن أبرز الشخصيات الذين قمت بالقراءة لهم أو أمامهم؟
- قرأت أمام شخصيات عديدة، كالملك خالد بن عبدالعزيز-رحمة الله عليه- عام 1979 في الرياض، وقالي لي: «يا شيخ طبلاوي القرآن نزل هنا في الجزيرة العربية، وطُبع في إسطنبول، وقُرأ في مصر»، وأمام حافظ الأسد، وقرأت أمام الشيخ خليفة بن حمد القطري، وقرأت في الكويت في جامع الشيخة بدرية، ولا شك في أن أهل الكويت مشهود لهم بالكرم وحسن الضيافة.. وقد ظللت أذهب إلى الكويت خمس سنوات متتالية في رمضان، وفي إحدى زيارتي كنت مع الشيخ شعبان الصياد، والشيخ راغب غلوش، وكنا نتناوب قراءة أجزاء القرآن نسخة مرتلة، وكنا نسمى «الثلاثي».
< البعض يقولون إن جيل القراء اقترب من نهايته برحيل كثير من الرموز.. فما رأيك في المواهب الجديدة من القراء، وهل تلمس حرصهم على أخذ النصيحة؟

لم يكن طريقي مفروشًا بالورود.. بل واجهت كثيرًا من الصعاب بعزيمة لا تلين


- اليوم يوجد إقبال كبير على حفظ وقراءة القرآن، وفي هذا يحضرني موقف عندما كنت في دبي وقابلت الشيخ القارئ مشاري بن راشد العفاسي، وهو معروف ويتمتع بصوت جميل وأحكام منضبطة، فسألته: «أنت من أم مصرية أو أب مصري، أنت لست كويتيًا، فضحك وسألني لماذا، قلت له: لأنك تتمتع بصوت قوي وقراءة مميزة وأداء فريد، لكن اللهجة غير خليجية»، فهناك أصوت كثيرة جميلة، وستظهر أخرى، وهناك أصوات في حاجة إلى رعاية، والدليل على ذلك عندما ذهبت إلى إيران لزيارة المعاهد الأزهرية، وجدت مكتوبًا على كل فصل لافتة «مدرسة الشيخ الطبلاوي»، «مدرسة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد»، «مدرسة الشيخ مصطفى إسماعيل»، «مدرسة الشيخ محمد صديق المنشاوي»، وعندما سألت عن هذه اللافتات المعلقة على كل فصل، علمت أن لكل شيخ تلاميذه الذين يقلدونه، وأتوسم في كل المقبلين على حفظ القرآن خيرًا.
< ماذا عن قيام كبار القراء بتسجيل القرآن؟
- لا شك في أن كل الشيوخ الأجلاء قاموا بتسجيل ختمات قرآنية، فمثلًا أنا سجلت خمس ختمات، اثنتين مرتلتين، ومثلها مجودتين، وختمة للتعليم، وقد قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.