مسابقات الجمال والتمركز حول الجسد

 

فاطمة حافظ

29/5/2013

    مع صعود تيار العولمة بدا واضحا أن هناك إفراطا في التركيز على الجسد الذي أصبح محورا للاهتمام من جانبين:

 الأول ثقافي: ويجد صداه في تركيز بعض المؤسسات الثقافية على اعتبار الجسد موضوعا للبحث فبدأنا نسمع عن انعقاد مؤتمرات وإصدار كتابات تحت عناوين: الجسد المقهور، الجسد المهمش، العنف الجسدي، فلسفة الجسد وما إلى ذلك من عناوين لا تحمل أي مضمون علمي حقيقي. 29-5-2013.jpg 

والثاني مادي: ويجسده محاولة إعادة تشكيل الجسد من خلال عمليات تجميلية تمهيدا لإبرازه عارياً، وهناك طلب متزايد على الخضوع لتلك العمليات حتى أضحت تجارة رائجة تحقق أرباحا طائلة إلى الدرجة التي دفعت بعض البنوك إلى تقديم قروض مالية تيسيرا على الراغبات في إجرائها والولوج إلى عالم الجمال. وهكذا ادخل الجسد دائرة علاقات السوق وانتزعت قداسته وأضحى سلعة خاضعة للتقييم والفحص والمعاينة من خلال مسابقات الجمال التي لم تعد قاصرة على النساء وإنما طالت الرجال مؤخرا.

تاريخ مسابقات الجمال

 فكرة اختيار فتاة شابة وتتويجها على عرش الجمال عادة أوروبية موغلة في القدم، فالمرأة الجميلة ترمز للقارة الأوربية ذاتها كما ورد في الأساطير الغربية القديمة، ومن ثم فإن الاحتفالات باختيار الفتيات كانت تأخذ طابعا قوميا ودينيا واضحا.

وتعود مسابقات الجمال المتعارف عليها حاليا إلى عام 1921 حين نظمت ولاية أتلانتا الأميركية أول مسابقة من نوعها لاختيار ملكة جمال للولاية، وفي العام التالي تحولت المسابقة إلى مسابقة لاختيار ملكة جمال الولايات المتحدة، وبعد مضي عقود أخذت الفكرة طريقها نحو العالمية على يد البريطاني إريك مورلي الذي نظم مسابقة (miss world)للمرة الأولى عام 1951، وفي العام التالي مباشرة تم تنظيم مسابقة ملكة جمال الكون (miss universe) واستمر الأمر في التوسع حتى بلغ عدد المسابقات العالمية أربع مسابقات، هذا بخلاف المسابقات المحلية التي تنظمها كل دولة على حدة ويتم من خلالها تصعيد الفتيات المشاركات في المسابقات العالمية.

 

الموقف الفقهي

 في تعليق لشيخ الأزهر السابق الشيخ جاد الحق رحمه الله على تنظيم أول مسابقة لملكات الجمال في مصر ذكر ما نصه: «يا هول هذا الخبر وما حواه من استعراض لأجساد فتياتنا من سن 15ـ 25 سنة، هل هذا عودة إلى النخاسة والرقيق الأبيض، أوقفوا هذه المهازل، إننا ندعو جميع المسؤولين بالتدخل لوقف مثل هذه المهرجانات الفاسدة المشبوهة، والله يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

فواجب على أولي الأمر تجنيب بلاد المسلمين أسباب سخط الله تبارك وتعالى، والبعد عن كل ما يودي بشبابها وفتياتها إلى الهاوية والعياذ بالله».

أما الشيخ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية السابق فقد أصدر فتوى بشأنها جاء فيها أن تنظيم هذه المسابقات «حرام .. حرام .. وغير جائز شرعًا بأي حال» واستند في ذلك إلى أنها من المعلوم من الدين بالضرورة، وأن كل ما يؤدي إلى حرام فهو حرام وأنها، مما لا تقره أخلاق الفطرة، وخروج بها عما جبلت عليه من العفاف والستر.

 

الأبعاد الفلسفية لمسابقات الجمال

 يحمل الرفض الإسلامي في طياته ما هو أكثر من النظر لهذه المسابقات على اعتبار أنها تشيع العري والابتذال، فلا يمكن أن نعزو الفتاوى القطعية في تحريم هذه المسابقات إلى الجانب الفقهي فحسب رغم جلاله وأهميته، ولكن هذه الفتاوى تعكس فهما ووعيا بأن هذه المسابقات تلخص رؤية مادية للإنسان، وجوهرها اعتبار الجسد معيارا للتفاضل بين البشر وهو ما يتنافى مع التصور الإسلامي الذي يرجع التفاضل إلى التقوى أي ما اكتسبه الإنسان بيده وعمله، وهنا يمكن أن نتوقف أمام بعض العناصر التي تستجلي طبيعة هذه المسابقات:

 فمن جهة تتمركز هذه المسابقات بشكل أساسي حول الجسد الذي يعني المادة التي هي مقابل الروح ومنهما سويا يتشكل الجوهر الإنساني ـ وفقا للتصور الإسلامي ـ  وتمركز هذه المسابقات حول الجسد واعتباره معيارا أوحد في التقييم الإنساني يعني أن الإنسان يتشكل أساسا من المادة وأنه لا أثر للروح في التكوين الإنساني، وحتى لو افترضنا جدلا وجود بصيص من الروح فإنها تكون في حالة تابعة للجسد، وليس العكس.

من جهة ثانية يرمز الجسد إلى المتعة ومن ثم يصبح التركيز على الجسد في جوهره تركيزا على المتع الحسية ويصبح إشباعها هو غاية الوجود الإنساني ومنتهاه.

ومن جهة ثالثة وأخيرة هناك علاقة لا انفصام لها بين هذه المسابقات وبين الشركات الرأسمالية الكبرى التي تتخذ من أجساد الفتيات المشاركات أداة أساسية للترويج لمنتجاتها الاستهلاكية في تجسيد عملي لمبدأ تعظيم الربح، أحد المبادئ الكبرى التي تستند إليها الليبرالية الغربية.

وبتدقيق النظر نجد أن (المادة والمتعة والربحية) يختزلون ثلاثتهم التصور الغربي في نظرته للوجود وللطبيعة الإنسانية، فكأن هذه المسابقات تستبطن رؤية كامنة وفلسفة، وبالتالي لا يمكن النظر إليها بوصفها مسابقات ترفيهية غايتها الاحتفاء بالجمال الذي اختزل ـ  وابتذل أيضا ـ  في وجه جميل وجسد ممشوق دون أي اعتبار لأبعاد روحية أو أخلاقية داخلية.

إنه الجمال كما عرفته أسواق النخاسة والرقيق الأبيض فيما مضى وأحيته الحضارة الغربية مجددا.