عذرا أمنا حواء

 

ليلى أمزير

يجهل العديد من الشباب المسلم القصة الحقيقية لأمنا حواء،   81.jpg  بل منهم من تلقى فكرة خاطئة عن سر الهبوط من الجنة مفادها أن السيدة حواء كانت السبب الرئيس في الطرد من الجنة وأنها هي التي عمدت إلى إغراء أبونا آدم بعد أن وسوس لها إبليس وأغواها للأكل من الشجرة المحرمة عليهما. هذه القصة المغلوطة جعلت الكثيرين يظلمون السيدة حواء وبعدها جميع نساء الدنيا، حيث لا تزال الاتهامات بالإغراء والفتنة والقصور في الفهم توجه للمرأة في العديد من المناسبات، وهذا لعمري ظلم قوي يحاصر المرأة أينما حلت وارتحلت.

حواء البريئة

والواقع أن السيدة حواء بريئة من التهم التي نسبت إليها من طرف اليهود تحديدا حيث ذكرت هذه التهمة في بعض أسفار التوراة التي تم تحريفها والعبث في مضامينها، حيث ذكرت الحكاية المزيفة أن الشيطان دخل الجنة في صفة حية ليقوم بإغواء حواء ،التي قامت بتحريض آدم عليه السلام إلى أن أكل من الشجرة، كما امتلأت الحكاية بذكر أوصاف لا يجوز وصف الله تعالى بها.

وبإلقائنا إطلالة سريعة على بعض الآيات القرآنية يتضح جليا أن السيدة حواء بريئة من هذه التهم الموجهة إليها، بل نجد سيدنا آدم عليه السلام قد حمله الله عز وجل كامل المسؤولية حين قال: " وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى" ( البقرة 121 ) ، وقبلها كما تبين بعض الآيات أن الله عز وجل حذر آدم حتى لا يقع في فخ إبليس اللعين حين قال " فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى" ( طه : 117 ) ، أما هذه الآية فتبين بشكل واضح أن المسئول الأول هو آدم عليه السلام حيث يقول فيها عز وجل " فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى" ( طه : 120 ) .

من هنا يتبين أن كل تلك الأكاذيب لم يذكر لها مثيل في القرآن الكريم، وما هي إلا إحدى المحاولات التي اتخذها اليهود وسيلة للإطاحة بشان المرأة حينما رأوا ما جاء في دين الإسلام من تكريم لها وعلو شأنها، ووصايا عديدة للإحسان إليها.

دليل قرآني

خلق الله آدم من طين ونفخ فيه من روحه، بعدها خلق حواء فكانت المؤنس له في وحدته وكانت الزوجة الحنون الرءوم، عاشا في الجنة إلى جوار رب العالمين، وأباح لهما الأكل من جميع أنواع الشجر عدا شجرة واحدة، كانت بمثابة الاختبار لهما، اختبار السمع والطاعة، وعاش الزوجان وفيين لربهما يسبحان بحمده ويشكران نعمته، غير أن عدوا لذودا كان يغيظه حالهما، ويتمنى زوال النعمة عنهما، فهما اللذان أطاعا وثبتا على العهد، وهو الذي تلقى الأمر الإلهي ولم يطع، أمر بالسجود فعصى وكان رده المتعجرف "خلقتني من نار وخلقته من طين" تجبر وتكبر على الخالق البارئ المصور، فكان مصيره الطرد من الرحمة والهبوط أسفل سافلين، فكيف لا يفكر في الانتقام ورد الصاع صاعين، فبدأ بالوسوسة لآدم وحواء معا ليأكلا من تلك الشجرة وبقي على ذلك الحال حتى أكلا منها بعد أن أقسم لهما بالله إنه لهما لمن الناصحين.
نعم أكلا –الاثنين- من الشجرة ولم يحمل الخطاب القرآني المسؤولية لحواء بل لم يذكر في أي سورة من القرآن الكريم أنها كانت السبب وراء ذلك، بل على العكس تماما نجد أن التقريع واللوم حظي به سيدنا آدم بشكل واضح على اعتبار أن المسؤولية والقوامة مسألة تخص الرجل بالدرجة الأولى.

توبة مشتركة

في رحاب آيات القرآن الكريم نحس بثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوجين لنجدهما بعد ذلك يتوجهان إلى رب العزة بطلب العفو والمغفرة قائلين "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" ( الأعراف : 23 ) ، وبقي الزوجان على هذه الحال إلى أن جاء الفرج ونزلت الرحمة والمغفرة والتطمين بالتوبة، حين قال تعالى"قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" البقرة : 38 -39 ) .

فرضي الله تعالى عن أمنا حواء و رزقنا الأنس بلقائها فى الفردوس الأعلى، ولها نقول عذرا على سوء أدبنا وجهلنا.