صروح العولمة

 

وسام كمال

20/8/2013

 تُعرف العولمة في أبسط تعريف لها: بأنها "سرعة تدفق السلع والخدمات والأموال والأفكار والبشر بين بلاد العالم بغير حدود ولا قيود".. بغرض تحويل البشر إلى ماكينات استهلاكية تستهلك كل شئ، فبعد أن كانت "الحاجة أم الاختراع"، صارت "السلعة أم الحاجة".. والتي تتزين في أبهى حلة في الأسواق التجارية التي تعرف بـ ( المولات ) . 20-8-2013.jpg

ولعبت العولمة الدور الأهم بتجلياتها المختلفة في زرع النمط الإستهلاكي في الدول النامية، وأتخمت الأسواق العربية بمنتجاتها، وأوقدت حمى الاستهلاك عبر الآلة الإعلامية والإعلانية، فضلا عن تأسيس الكيانات التسوقية الكبرى "المولات التجارية" لتنميط المستهلكين العرب على التسوق بها، والارتباط بزيارتها في مواعيد دورية قريبة.

والمدهش في الأمر أن ظاهرة المولات قد تُفهم في سياقها الثقافي والاقتصادي في دول غربية منتجة، ويحتاج مواطنيها إلى قسط من الترفيه، وقدر من الراحة في التسوق أيام العطل، وحالة من التنافس بين المنتجات ليصل الأفضل إلى المواطن "المنتج المستهلك"، فضلا عن وجود مناخ اقتصادي يسمح بالاستهلاك المترف، ولكن ما الذي يدعو العرب إلى استضافة "معابد العولمة"، وما أسباب "توحلهم" بهذا النمط الاستهلاكي الوافد، وماذا فعلت المولات في الطبقة الوسطى؟ وكيف نقيم تجربة المولات في بلاد العرب؟

التحول التجاري

وهناك تأثيرات جديدة أحدثتها المولات في الحياة الاجتماعية، فقد تحول الدكان والبقالة إلى مراكز التسوق الكبرى، وفقد مفهوم "سمحا إذا باع وإذا اشترى" دلالته في المول نظراً لأن البائع لم يعد يرى المشتري! وتأثر صغار التجار بظهور الأسواق الضخمة، والذين كانوا أرحم بتحملهم تدهور أحوال المشتري في الضراء، ويدونون ما أخذ بلا مقابل في "الدفتر" إلى حين ميسرة. بما عكس –وقتئذ- نمط من التكافل والود والاحترام المتبادل بين البائع والمشتري. كما زحف الاستهلاك إلى الطبقات الفقيرة والمتوسطة لكي ينفقوا ما يفوق طاقتهم في مجالات الاستهلاك الكمالي، مما أحدث خللاً واضحاً في ميزانية الأسر. والفضل الأكبر يعود إلى العروض التي تقدمها المولات بهدف تشجيع الناس على الاستهلاك. فالعرض أقرب إلى "الطُعم" الذي يصطاد المستهلكين!

ملهاة كبرى

وتستضيف المولات قدرًا كبيرًا من آلات الترفيه في العالم، مثل الملاهي والسينمات والسباقات والأنشطة الترفيهة المختلفة، وتعد بمثابة ملهاة كبرى.. تتطلب طرح سؤالين هامين عن تطور علاقة الإنسان بالترفيه بصفة عامة.. أما السؤال الثاني ينبع من همنا العربي والإسلامي: كيف يستهلك (في الكماليات وغير الضروريات) من لا ينتج؟ وهل وضعنا الراهن ومآسينا تدفعنا إلى الترفيه والاستهلاك كي ننسى أم أن نسياننا ولهونا هو سبب وقوفنا في مكاننا هذا من التخلف والقهر والاستبداد؟ وكيف تُقاوم موائد الاستهلاك في بيوتنا وجيراننا العرب والمسلمون على موعد عشاء يومي مع الجوع والفقر والمرض؟

أبناء العولمة

تحاول المولات أن تتنافس أيضا في جانب الاستحواذ والسبق بفتح أفرع لأهم الماركات العالمية في الملابس والأحذية والاكسسورات والمجوهرات،.. إلخ.. وبهذا يمكنك دون تكبد مشقات السفر أن تلبس بدلة تركية مصحوبة بقميص باكستاني وكارافتا أمريكية، ثم تستخدم عطرا فرنسيا وتلبس ساعة سويسرية وتأكل آيس كريم إيطاليا كتحلية مطلوبة بعد وجبة هندية .

وسمة داء نفسي يتأصل مع الاستهلاك المعولم وهو داء الكبر أو "الفشخرة" ، فقد أضحى الإنسان يتم تسعيره بين أقرانه بنوع الماركة التي يرتدي أو يقتنيها، قديما كان يقال: "إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي" للتجرد من حالة التباهي الزائد بالعرق والنسب، ولكن الفهم تغير فبدلا من الافتخار بجهد الذات والعمل وتحصيل العلم وبناء الثقافة؛ صارت الموضة ومنتجاتها بمنتجعاتها الترفيهية الدليل الأكثر شيوعا في قراءة الهوية والتباهي أمام خلق الله!

الأسلمة والتعريب.. العولمة لا تمانع

رغم ما تتسم به المولات بتشابه في فكرة إنشائها وتقسيمها وأعمدة بنائها، إلا أن المولات الخليجية تحاول أن تكسب المولات نكهة عربية وإسلامية، وللحق.. فإن العولمة لا تمانع لطالما يصب هذا في صالح الاستهلاك. فالمساجد التي أنشأت في المولات ما هي إلا محاولة لإبقاء الناس في المولات قدر المستطاع، فلا تضطر للخروج لإقامة الصلاة. كما أن المولات تحاول فيما بينها أن تعطي زوارها إحساسا بالنشو الفارغ، أو الغرور المتخيل، فتعطيه نفحة من هويته حتى لا يشعر بالغربة في المولات.. فتوجد نقوش عربية وإسلامية، لتطمئنه: استرخ .. أنت في أرضك!

تساؤل

هل يمكن أن يبتكر العرب والمسلمون أمكنة للتلاقي والتسوق والترفيه ذات خصوصية حضارية، وتعمق الهوية العربية والإسلامية، وتستهدف عقولهم وضمائرهم ولا تقتصر في مقاصدها على استنزاف أموالهم ؟ وكيف تساعد تلك الأمكنة الناس على شراء ما يحتاجون وليس ما يبنهرون به تحقيقا للأمر القرآني: "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ".. فهل عودة المسجد بمفهومه "الجامع" قد يكون النموذج الأقرب للتقوى؟!